التصوف بين المسيحية والإسلام
عَرَفتْ الدِّيَانات الكبرى: البوذية، والمسيحية، والإسلام التَّصوفَ سُلوكًا وَطَريقةً وَمَنهَجًا وَفِكرًا.
ويذهب بعض الباحثين إلى أنَّ التصوف سمو روحي يتسامى أصحابه على كُلِّ العصبيات الدينية- تلك العصبيات التي ولدت حُروبًا طَاحِنة، سواء كانت داخلية؛ كفتن أهل المذاهب والطوائف الدينية أو خارجية.
ويشير آدم متز في كتابه «الحضارة الإسلامية في القرن الرابع الهجري» إلى مؤثرات مسيحية صُبِغَ بها هذا المذهب الروحي في صورته الإسلامية، وَيَردُّ مبادئه إلى حدود العام 220هـ تَقريبًا بمصر - مَهد الرَّهبانية المسيحية، وَتَحدِيدًا بالإسكندرية.
ويذكر أنّ التصوف حينها كانَ على نفس منهج المعتزلة مِن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومعارضة السلطان في أمره.
لكنهم سرعان ما تخلى أهله عن منهجهم هذا، وآثروا العزلة والخمول والانكفاء على تهذيب النفس، وتصفيتها بالتزكية وأعمال الطاعات.
أمَّا ماسينيون ونيكلسون، فيذهبان إلى أنَّهُ عراقي النشأة، يوناني الصِّبغَة. فِيمَا يذهب جمهور المستشرقين إلى وجود مؤثرات مسيحية، وفارسية، وهندية، وأفلوطِينيَّة مُحْدَثَة فِي التَّصُوف الإسلامي.
لَكِنَّ الشيخ مصطفى عبد الرازق يَردُّ هذا القول، ويقول: إنه مصري النشأة، إسلامي الصِّبغَة. (الحركة الفكرية في مصر في العصرين: الأيوبي، والمملوكي الأول، عبد اللطيف حمزة، ص 98).
وَمَهما يكن الأمر، فَالتصوف بما انطوي عليه من الزهد في الدنيا والتقشف فيها وكفّ النَّفس عن الرُّعونات والشهوات، وَبِمَا امتاز بِهِ أهله مِنْ سِمَات المَحبَّة والعفو والغفران، والانقطاع لله بالكلية= عَرفتهُ كثير من الأديان السابقة على الإسلام، كما أشِير إليه؛ وَلا شَكَّ أنَّ للمسيحة حَظًّا كَبيرًا من تلك القِيَم والأخلاق العظيمة.
فَقد وَصَفَ الله في كتابه الكريم النصارى بصفات، ظَلَّت تطبع أتباعها فَضلاً عن الرُّؤسَاء الدينيين، بأخلاق الزهد والتواضع وعدم الاستكبار وَرقَّة القلب.
(ولتجدنَّ أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى؛ ذلك بأنَّ منهم قسيسين ورهبانا وأنهم لا يستكبرون، وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق يقولوا ربنا آمنا فاكتبنا مع الشاهدين). [المائدة 82- 83].
كما أنَّ الكنيسة الشرقية تميزت عن قسيمتها الغربية في أنها لم تستنقع في الدم مثلها، كما يقول المفكر العراقي هادي العلوي.
وقد أنجبت البلاد العربية منذ عصر النهضة حتى يومنا هذا أعلامًا كبارًا من المسيحيين كان لهم اليد الطولى في خدمة اللغة العربية وآدابها، وتأليف المعاجم اللغوية الضخمة، وتأسيس الصحافة بمصر، وخاصة مسيحيي لبنان الذين انتقلوا إليها بسبب اضطهاد الدولة العثمانية لهم، كآل البستاني، وجورجي زيدان، ومي زيادة، وفرح أنطون، وأحمد فارس الشدياق الذي كان مَسيحيًا وأسلم، وَشَهِدَ جنازته ومشى فيها كُلٌّ من المسيحيين والمسلمين، بالإضافة إلى الأديب الكبير ميخائيل نعيمة، وجبران خليل جبران؛ وهما من أدباء المهجر، وفيكتور سحاب الذي أنصف الإسلام وتحدث عنه بما لا يستطيع كثير من قيادات التيارات «المُتأسلِمَة» الحديث عنه، كما أنَّ البدايات الأولى لنشأة القصة والرواية كان المسيحيون العرب هم روادها؛ كما يقول الأستاذ جابر عصفور.
لا أزال عصر ذلك اليوم، وأنا في المرحلة المتوسطة من سني دراستي، مُنكبًّا على قراءة كتاب «البؤساء»، ليفكتور هوجو، ولم أشعر بنفسي إلا بنداء المؤذن لصلاة الفجر، وبكيت حِينها تَأثرًا من موقف مؤثر لجان فالجان الذي عَلَّمهُ القُسّ كيف يستعيد جوهره الذي فقده في سجون «الباستيل» الرهيبة، لِيعودَ إنسانًا طَيبًا، ومُحسِنًا عظيمًا، بِمَا أظهر من النبل الإنساني والعطف والرحمة لجوزيت التي قام بتبنيها وتربيتها؛ بعد أن منحه القُس فُرصةَ الإفلات من العقاب على يد قُساة الدرك، بعد سرقته للشمعدان الخاصِّ بهِ، وإيوائه له بالمبيت في منزله.
إنَّ القيم المسيحية الحقيقية، وما أنجزته أوروبا في مسيرتها الحضارية بالانتصار لحقوق الإنسان وقيم الديمقراطية والنزعة الإنسانية العالمية= جَديرة بأن تنقذها من نزعة التدمير (النيكروفيليا) التي يتحدث عنها فرويد وإريك فروم، ومن لوثة التعصب الديني والقومي والعرقي التي يَجرُّهَا نحوها اليمين المتطرف.
يعتبر بعض الباحثين أنَّ السيد المسيح من أعظم الشخصيات أثرًا في تاريخ البشرية. فتعاليمه الخالدة لا تزال تضيء درب أتباعه ومحبيه المخلصين. ومن هذه القيم فضيلة التواضع والغفران.
وقد خَصَّهُ المؤرخ ابن عساكر بِتَرجمة مطولة في كتابه «تاريخ دِمشق»، قام بعض الباحثين بنشرها مستقلة في كتاب.
ويتحدث ابن عربي أنَّ خصلة التواضع جَعَلتْ المسيح يُشَرِّعُ لأمته فِيمَا لو لُطِمَ أحدهم، وَضْع الخد الآخر لمن لطمه، ولا يرتفع عليه، ولا يطلب القِصَاص منه..
وهو مِنْ تعاليم المسيح عليه السلام في الإنجيل:
«لِعَشاءٍ سرِّيٍ أدعو..
وبخمر الفصح ومائي
أغسلُ أقدام أحبائي
وَأقولُ وَداعًا.
الليلة يسلمني أحدكم للموت
لَصَديقٌ يَقتُلُني أولى
والمُديَة في كفِّ حَبيبٍ غُفران
أمَّا أنت فتنكرني قبل صياح الديك
ويقتلني النكران، وأغفر».
وهو أثناء غسل أقدام حواريه؛ يقول لهم: من أرد منكم أن يكون بينكم سَيِّدًا، فليكن لكم خَادِمًا».
فانظر إلى هذه الشخصية التي تعد من أعظم الشخصيات التي عرفها العالم، كيف يتواضع لأتباعه، ويجعل نفسه منهم بِمَنزِلَة أصغرهم والخادم لهم؛ فيقوم بغسل أرجلهم، ثم إنَّهُ -ورَغمَ الألم القاسي الذي عاناه مِن النُّكران والخيانة- يغفر لِمَن وَشَى به، وَسَلَّمه لِعَدُوِّه؛ بحسب رواية الإنجيل؛ فإلى أي مدى أثَّرَتْ وَتُؤثِّر هذه الأخلاق العظيمة في قلوب أتباعه ومحبيه المخلصين؟
وَلَن نَذهبَ بَعيدًا، فِيمَا يَخُصُّ التواضع، فميخائيل نعيمة يقول: «لقد سَمَوتُ حتى لا أرى أحَدًا دُونِي».
ويقول السيد المسيح أيضًا: «من سألك فاعطه. ومن طلب رِدَاءكَ فلا تمنعه. ومن سَخَّركَ أن تمضي معه مِيلاً، فامض معه اثنين. ومن ضربك على خدك الأيسر؛ فَحَوِّلْ له الآخر».
وهذا خلق آخر يدعو إليه المسيح أتباعه؛ وهو خلق العطاء والبذل والإيثار، نجد نظيره وصداه يتردد عند كثير من متصوفة المسلمين؛ مِمَّنْ عَاشَ عُمره كُلَّهُ لا يَردُّ سَائلاً أو مُحتَاجًا.
خِدمَة الناس والسعي في حوائجهم عند الصوفية
فالشيخ العلامة الصوفي مُحَمَّد بن حسين البجلي كان يغيب عن بلدته وأهله في «شَجَينة» الشُّهور الطوال؛ لقضاء حوائج الناس وَالسَّعي في شُئونهم وخدمتهم، ويقصد «مدينة تعز»-عاصمة الرسوليين، ليقوم بالشفاعات لهم، وقضاء مصالحهم.
وعند عودته إلى بلدته، وفي اللحظة التي يشَارفَ فيها على الوصول، يُصادِفُهُ أحد المحتاجين، فيمسك بزمام دابته قَائلاً له: أريدك أن تمضي معي إلى «وادي رَمِعْ» لأجل المسألة الفلانية، فَيسترجع ويقول: «كَيفَ يَرتاح مَنْ رَاحة النَّاس في تعبه؟!»، ثُمَّ يَنكفئ رَاجِعًا مَعه في حاجته.
وَكَانَ كَثيرًا مَا يتمثَّل بأبيات الشافعي -رَضِيَ الله عنه-:
ولو أنَّنِي أسعى لِنفعِي وَجَدتَني
كَثيرَ التَّوَانِيْ لِلِّذي أنا طالبُهْ
وَلكننَّي أسعَى لأنفعَ صَاحِبي
وَعَارٌ على الشَّبعَان إن جَاعَ صَاحبُهْ
يَفِرُّ جَبانُ القَومِ عن أمِّ نَفسهِ
وَيَحمي شُجاعُ القوم مَنْ لا يناسبُهْ
وَيَأكلُ مِن مَالِ الكَريم عَدوُّهُ
وَيُحرَمُ مِنْ مَالِ البَخِيلِ أقاربُهْ
أخلاق العَفو والإيثار عِند الصُّوفِيَّة
يتحدث بعض المؤرخين اليمنيين عن حادثةٍ وَقَعت للشيخ الصوفي الكبير أبي الغيث بن جميل مع بعض رجال السلطان، قَامَ بطمه، ونهب حطبه؛ فشكا أبو الغيث على شيخه ابن أفلح، فنهضَ معه بِصحبةِ فقرائه، وعند وصولهم إلى مكان الحادثة، سَألَ ابن أفلح تلميذه أن يشير إلى الشخص الذي قَامَ بلطمه.
فَأشَارَ ابن جميل إلى أحدهم، ظَانًّا مِنْ شيخه أن يقومَ بتأديب هذا الرجل، فَمَا كَانَ من شيخه إلا أن قال له: يَا أبَا الغيث قَبِّلْ رِجلَه!
فَلم يَسعْ ابن جميل إلا الامتثال، وقام بتقبيل رجل من اعتدى عليه، ثُمَّ لم يلبث ذلك الرجل أن تأثر تأثرًا عميقًا من هذا الموقف، فلحقهم، وهو يبكي، مُعتذرًا عمَّا بَدَرَ منه، وَتَابَ على يد الشيخ ابن أفلح وَتَحكَّم له، وَصَارَ مِنْ جُملة فقرائه ومريديه.
و في ترجمة محمد بن علي بن إسماعيل الحضرمي أنه كان جَوادًا كَريمًا. وأنه لم يسأَلهُ سَائِل شَيئًا فَردَّه، وأنَّ السائل قد يلقاه فَيعطيه بعض ثيابه، حتى أنه كان يضطر للجلوس في البيت لأنه لا يجد ثِيابًا يلبسها.
أخلاق الرَّحمة والتَّوَاضُع
وَيذكر أهل التصوف أنَّ الشيخ الصوفي عبد القادر بن عبد الله السُّهرَوَردِي كَانَ على غاية من التواضع، وأنَّهُ أثناء سفره إلى الشام، بَعثَ لَهُ بعض الأمراء الأيوبيين طَعامًا على رؤوس أسرى من الصليبيين، وَهُم في القيود؛ فَلمَّا مُدَّت السفرة، طَلبَ أن تُفكَّ قيودهم، وأقعدهم مع الفقراء عليها، وَقَعدَ يَأكل معهم.
ويذكرون أنَّ الشيخ الفقيه عبد الرحمن بن سعيد فيما كان يمشي في يوم شَاتٍ كَثير الطِّين، فصادفه كَلبٌ يمشي على الطريق التي كان عليها، فلصق الشيخ بالحائط، وعمل للكلبِ طَريقًا، ووقف ينظره ليجوز، فَلمَّا قَرُبَ منه الكلب، تَركَ مكانه ونزل أسفل، وَتَرك الكلب يمشي فوقه، فَلمَّا جاوزه الكلب جاء إليه مَنْ كَانَ يَشهده، فَوَجَدَ عَليهِ كآبةً، فسأله: يا سيدي رأيتكَ الآن صنعت شَيئًا استغربته؛ كيف رَمَيتَ نَفسكَ في الطِّين، وَتَركَتَ الكلبَ يمشي في الموضع النَّقِي؟
فقال له: بعد أن عملت له طَريقًا تفكرت، وَقُلت: تَرفَّعتُ على الكلب، وَجَعلتُ نفسي أرفعَ منه، بل هو والله أرفع مني وأولى بالكرامة؛ لأني عصيت الله تعالى، وأنا كثير الذنوب، والكلب لا ذَنبَ لَه؛ فنزلت عن موضعي، وتركته يمشي عليه، وأنا الآن أخاف مِنْ الله ألا يعفو عني؛ لأنَّي رَفعتُ نفسي على من هو خَيرٌ مني. (إيقاظ الهِمَم شرح الحِكَم، لأحمد بن عجيبة، ص43- 44).
وَأَخِيرًا..
أجرى الله سبحانه وتعالى كَثيرًا من المعجزات على يد المسيح عليه السلام، وقد اقتصها في كتابه الكريم، وذكرها الإنجيل مِنْ قبله، كإحياء الموتى، وشفاء المرضى، وَإبراء الكُمه، وَالبُّرص، وَهُوَ ما نجد نظيره في كرامات بعض أولياء الصوفية مِمَّن يُوصَفون بِـ «أهل المَشهَد العِيسَوي»؛ نِسبَةً إلى المسيح عيسى بن مريم -عليه السلام؛ وهم مذكورون في طبقات الصُّوفيَّة، وَذَكرهم بَعض المؤرخين، وبعض مصنفي الطَّبَقات مِنْ أهل المذاهب.