التحالفات العربية.. بين أوهام الخارج وغياب القوة الذاتية
ليست أزمة العرب في تحالفاتهم أنهم يخطئون الاختيار فقط، بل أنهم كثيرًا ما يدخلون التحالف بلا مشروع ذاتي واضح، فيتحول من وسيلة لتعزيز القوة إلى بديل عنها. وفي لحظات تاريخية مفصلية، دفعت المنطقة ثمن هذا الخلل مضاعفًا.
عند اندلاع الثورة العربية الكبرى، كان المزاج العام في المشرق العربي يتطلع إلى التحرر من الدولة العثمانية وبناء كيان عربي مستقل. غير أن التحالف مع بريطانيا لم يكن قائمًا على تكافؤ، بل على وعود سياسية في مقابل خدمة عسكرية. وفي الوقت الذي كان فيه العرب يقاتلون، كانت القوى الكبرى تعيد رسم خرائط المنطقة عبر اتفاقية سايكس بيكو. النتيجة لم تكن فقط فشل حلم الدولة الواحدة، بل ولادة واقع التجزئة الذي ما زال يلقي بظلاله حتى اليوم.
لم يكن ذلك الخطأ مجرد سوء تقدير، بل انعكاسًا لغياب مركز قرار عربي موحد، وافتقار أدوات القوة التي تجعل أي تحالف متوازنًا. فالدول لا تمنح الاستقلال مجانًا، ولا تبني تحالفاتها على العواطف، بل على حسابات المصالح الدقيقة.
في مرحلة الحرب الباردة، بدا المشهد أكثر تعقيدًا. لم يكن هناك "موقف عربي" واحد، بل اصطفافات متعددة بين الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفيتي، فيما حاولت بعض الدول التوازن بين المعسكرين. غير أن القاسم المشترك ظل قائمًا: الاعتماد على الخارج لتعويض ضعف الداخل.
في تلك المرحلة، لم يخسر العرب فقط توازنهم الاستراتيجي، بل شهدوا تحولات إقليمية عميقة. فقد خرجت إيران من العباءة الغربية بعد الثورة الإسلامية الإيرانية، لتتحول إلى مشروع إقليمي مستقل، بينما بقيت تركيا ضمن المنظومة الغربية عبر حلف شمال الأطلسي، لكنها طورت لاحقًا سياسة أكثر استقلالًا، تمزج بين التحالف والمنافسة.
أما اليوم، فقد تغيرت قواعد اللعبة. لم تعد الولايات المتحدة الأمريكية مستعدة للقيام بدور "الضامن الكامل" لأمن حلفائها كما في العقود السابقة. أولوياتها تحولت، وانخراطها العسكري تقلص، وتحالفاتها أصبحت أكثر براغماتية وأقل التزامًا. وفي المقابل، نجحت إيران في بناء نفوذها عبر أدوات غير تقليدية: دعم جماعات محلية، إدارة حروب بالوكالة، واستثمار هشاشة الدول.
هذا التحول كشف حقيقة طال تجاهلها: التحالفات لا تحمي الضعفاء، بل تحمي من يملكون ما يجعلهم شركاء لا تابعين.
إن جوهر الأزمة العربية لا يكمن في "سوء اختيار الحلفاء" بقدر ما يكمن في غياب شروط التحالف الناجح، وأهمها:
امتلاك قوة ذاتية سياسية واقتصادية وعسكرية.
وجود مشروع وطني أو قومي واضح يحدد أهداف التحالف.
بناء موقف جماعي يقلل من التشتت ويعزز القدرة على التفاوض.
إدراك أن المصالح الدولية متغيرة، ولا تقوم على الوفاء الدائم.
لقد تعامل العرب في كثير من محطاتهم مع التحالف كطوق نجاة، بينما هو في الحقيقة أداة ضمن منظومة قوة أشمل. وحين يغيب الأصل، لا ينفع البديل.
في عالم اليوم، لا يُسأل: مع من تتحالف؟ بقدر ما يُسأل: ماذا تملك لتجعل هذا التحالف ضروريًا للطرف الآخر؟
تلك هي المعادلة التي لم تُحسم بعد، وهي مفتاح الخروج من دائرة التبعية إلى أفق الشراكة.