صنعاء 19C امطار خفيفة

وحدة الساحات… معادلة الردع الاستراتيجية الحقيقية

منذ أن اختار أنور السادات أن يوقّع اتفاقية كامب ديفيد، لم يكن الأمر مجرد اتفاق سلام بين دولتين، بل كان في جوهره لحظة مفصلية أعادت تشكيل قواعد الصراع في المنطقة. منذ تلك اللحظة، بدأ يتكرّس نهجٌ جديد يقوم على تفكيك الجبهات، وعزل كل ساحة عن الأخرى، وتحويل الصراع من مواجهة شاملة إلى نزاعات مجزأة يمكن التحكم بها وإدارتها وفق ميزان القوة.

بهذه القاعدة، تمكنت الولايات المتحدة وإسرائيل من الانتقال من منطق "الحروب الكبرى" إلى "الحروب المُدارة"، حيث تُستهدف كل دولة على حدة، وتُخاض المعارك ضمن نطاقات جغرافية وزمنية محسوبة، بما يمنع تشكّل خطر إقليمي واسع. وهكذا، لم تعد المشكلة في ميزان القوة فقط، بل في غياب الترابط بين الساحات، وهو ما منح الكيان تفوقًا استراتيجيًا يتجاوز قدراته الجيوسياسية والعسكرية المباشرة.
لكن هذه القاعدة لم تبقَ صلبة كما كانت.
مع اندلاع طوفان الأقصى، بدأ يتشكل ولو بشكل جزئي نمط مختلف من التفاعل. لم تعد غزة تقاتل وحدها كما في السابق، بل ظهر ما يمكن تسميته بـ"إسناد الساحات"، حيث تحركت جبهات متعددة بدرجات متفاوتة، من لبنان إلى اليمن، في محاولة لخلق ضغط متزامن يربك حسابات الخصم.
هذا التحول، رغم محدوديته، كان كافيًا لإثارة قلق عميق لدى واشنطن وتل أبيب. فالمشكلة لم تكن في حجم الأضرار بقدر ما كانت في كسر القاعدة: قاعدة الاستفراد بكل ساحة على حدة. ومن هنا، يمكن فهم موجة التصعيد التي أعقبت ذلك، ليس فقط كردّ فعل عسكري، بل كمحاولة استراتيجية لإعادة الأمور إلى نصابها السابق: تفكيك الجبهات، ومنع تماسكها، وحصر أي مواجهة في إطار يمكن السيطرة عليه.
وفي سياق المواجهة مع إيران، بدا هذا الكسر أكثر وضوحًا من حيث المبدأ، لكنه ظل محدودًا من حيث الفعل. صحيح أن هناك تقاطعًا في المواقف، وتداخلًا في مسار الصراع، لكن ذلك لم يرتقِ بعد إلى مستوى "وحدة الساحات" بالمعنى الكامل؛ أي التنسيق الشامل، والاشتباك المتزامن، وتوزيع الأدوار ضمن رؤية استراتيجية واحدة.
وهنا تكمن المعضلة.
فطالما بقيت "وحدة الساحات" مجرد ردّ فعل ظرفي، تظهر في لحظات التصعيد وتختفي عند أول اختبار جدي، فإن الكيان سيظل قادرًا على استعادة زمام المبادرة، وفرض توقيت الحروب، واختيار ساحاتها، وإدارة الصراع وفق ما يخدم مصالحه. وستبقى المنطقة تدور في حلقة مفرغة من الحروب المتقطعة، والتوترات المزمنة، وانعدام الاستقرار.
أما إذا تحولت هذه الوحدة إلى قاعدة ثابتة وإلى عقيدة استراتيجية لا تخضع للحسابات الآنية فإن المشهد سيتغير جذريًا. عندها فقط، لن تكون أي حرب قرارًا سهلًا للكيان والغرب المتحالف معه، ولن تكون كلفتها محصورة في ساحة واحدة، بل ستتحول إلى مواجهة مفتوحة على احتمالات متعددة، تفرض على الخصم إعادة حساباته من الأساس.
غير أن الطريق إلى ذلك ليس مفروشًا بالشعارات.
فهناك تعقيدات عميقة تعيق هذا التحول: اختلاف أولويات الدول، وتباين حسابات الربح والخسارة، وضغوط النظام الدولي، ومخاوف الانزلاق إلى حرب شاملة قد تكون كلفتها كارثية على الجميع. كما أن الانتقال من "التنسيق الظرفي" إلى "الوحدة الاستراتيجية" يتطلب بنية سياسية وعسكرية متماسكة، وقدرًا عاليًا من الثقة المتبادلة، وهو ما لا يتوفر بسهولة في بيئة إقليمية مضطربة.
ومع ذلك، فإن ما جرى لم يعد يمكن التراجع عنه بالكامل.
فكسر القاعدة ( حتى لو كان جزئيًا ) في إطار ما يُعرف بـ"محور المقاومة" يعني أن إمكانية تجاوزها أصبحت قائمة، وأن فكرة "وحدة الساحات" لم تعد مجرد طرح نظري، بل تحولت إلى خيار قابل للاختبار والتطوير. وهذا بحد ذاته تطور استراتيجي بالغ الأهمية، لأنه ينقل الصراع من حالة الجمود إلى فضاء الاحتمالات المفتوحة.
لكن التحول الحقيقي لا يُقاس بلحظة الانفجار، بل بقدرة هذه اللحظة على إنتاج مسار مستمر.
فإما أن تُستثمر هذه التجارب لتتحول إلى عقيدة راسخة، تُبنى عليها آليات تنسيق حقيقية، وغرف عمليات مشتركة شاملة في مختلف المجالات، وتكامل في القرار السياسي والعسكري والاقتصادية…
وإما أن تُترك لتتبدد مع الوقت، فتعود المنطقة إلى قواعدها القديمة، حيث الحروب المنفردة، والاستنزاف المتكرر، والتفوق الاستراتيجي القائم على التفكيك لا المواجهة.
وهنا تتضح الحقيقة الأهم:
إن "وحدة الساحات" ليست خيارًا تكتيكيًا يُستدعى عند الحاجة، بل هي مشروع تحالف وتكامل طويل الامد، يتطلب نفسًا استراتيجيًا، وقدرة على تحمّل الكلفة، واستعدادًا لإعادة تعريف مفهوم المواجهة برمّته.
فإما أن تتحول إلى قاعدة دائمة تغيّر شكل الصراع في المنطقة…
أو تبقى مجرد لحظات استثنائية سرعان ما تُحتوى، ليعود كل شيء إلى ما كان عليه.
وفي هذا الفارق تحديدًا، لا يتحدد فقط مسار الحروب… بل يُرسم مستقبل المنطقة بأكمله:
بين صراع تُرسم قواعده من الخارج…
وآخر تُفرض معادلاته من داخل دول المنطقة ذاتها.

الكلمات الدلالية