صنعاء 19C امطار خفيفة

إيران ودونالد ترامب: بين سندان التوقعات ومستنقع الحرب والإستنزاف

إيران ليست فنزويلا كما تصور ترامب، وهذه ليست مجرد عبارة دعائية بقدر ماهي حقيقة واقعية تثبتهاها الوقائع على الارض، ففي حال فنزويلا سقط الرئيس الفنزويلي في قبضة الرئيس الامريكي في اول عملية عسكرية مباشرة بدون اي مقاومة او خسائر ، فيما تولت نائبة الرئيس ادارة الدولة مع تعهدها بالتعاون الكامل مع ادارة ترامب تجنبا لاي صراع او اصطدام.

اما ايران فإن الامر يختلف، فبعد الضربة التي تعرضت لها طهران في يونيو الماضي، عملت ايران على الاستعداد بالتوقعات لهجوم اخر مباغت وتهيئت له، وبدا واضحًا أن الدولة لم تتجه نحو الانهيار. صحيح أن جهازها الاستخباراتي يعاني من اختراقات امنية شديدة ، إلا أن ذلك لم يترجم إلى شلل كامل في منظومة القرار، ولا إلى انهيار سريع كما قدر البعض رغم فداحة الحدث باغتيال راس السلطة العليا خامنئي وكبار القادة في اللحظات الاولى للحرب الامريكية الاسرائيلية ضد ايران.
في تقديري، لم يكن ترمب يتوقع هذا السيناريو، فالقراءة الأولية لفريقه كانت على الأرجح مبنية على نموذج الصدمة والترويع ثم السقوط، ضربات مكثفة تُحدث خلخلة سريعة، تليها حالة ارتباك داخلي وانقلاب شعبي يدفع النظام إما إلى الاستسلام أو إلى البحث عن مخرج تفاوضي سريع.
لكن ما حدث على الأرض خالف هذه الحسابات، فعلى الرغم من الضربات القاسية التي استهدفت بنية النظام منذ اليوم الأول، لم نشهد انهيارًا مؤسساتيًا، بل على العكس، ظهرت مؤشرات على أن طهران كانت قد أعدّت نفسها لهذا النوع من المواجهة وذلك بتفعيل بدائل قيادية، وإعادة توزيع مراكز القرار ناهيك عن حرية اتخاذ القرار ااذ لزم الامر، بما يضمن استمرارية النظام حتى في ظل فقدان بعض رموزه أو مراكزه الحيوية.
الرهان الأمريكي، على ما يبدو، كان يقوم على قِصر أمد المواجهة، لكن الواقع أظهر أن إيران ليست خصمًا تقليديًا يمكن إخضاعه بسرعة، إذ انها تمتلك خبرة طويلة في إدارة الأزمات والصمود سواء على المستوى الداخلي أو الخارجي. لقد كشفت هذه الحرب الفجوة بين التقدير النظري والواقع الميداني لإيران، فعلى الرغم من هشاشتها في بعض المفاصل، أثبتت أنها دولة قادرة على امتصاص الضربات وإعادة إنتاج توازنهاوهيكلة ذاتهاوادارة اسلحتها القتالية الدفاعية وان كانت انتحارية، مما يجعلها حتى اللحظة عصية على السقوط السريع، ويضع أي استراتيجية قائمة على الحسم الخاطف أمام اختبار حقيقي قد يطول أكثر مما خُطط له.
لكن مع امتداد أمد المواجهة وتعقّد مساراتها، يبدو أن المشهد بدأ ينقلب على حسابات البيت الأبيض. فترمب ، الذي دخل هذه الحرب برهان الحسم السريع، يجد نفسه اليوم أقرب إلى حالة استنزاف مفتوح، يصعب الخروج منه دون كلفة سياسية ومعنويةومادية، خاصة مع رفض دول اوروبا الانخراط في هذه الحرب وتمسكها بموقف المتفرج.
في هذا السياق، تبرز مؤشرات واضحة اليوم على البحث عن مخرج يحفظ ماء الوجه الامريكي، فقد بدأ الخطاب الأمريكي اليوم يميل إلى التهدئة، مع تصريحات تتحدث عن إمكانية استئناف المحادثات مع طهران بهدف التوصل إلى وقف لإطلاق النار. وهذا التحول لا يعكس فقط رغبة في إنهاء التصعيد، بل يكشف أيضًا عن إدراك متزايد بأن استمرار الحرب بالوتيرة الحالية لا يخدم الأهداف المعلنة، بل قد يفاقم التحديات على المستويين الداخلي والخارجي والدولي.
في المقابل، تتعامل إيران مع هذا الطرح بقدر كبير من الحذر، بل والرفض الضمني، فهي تنفي وجود أي محادثات جارية، وتتمسك بموقف واضح: وقف إطلاق النار أولًا، ثم الانتقال إلى طاولة التفاوض.
وخلاصة المشهد الحالي واشنطن تبحث عن مخرج مشرّف يجنّبها صورة التراجع، وطهران تسعى إلى تثبيت معادلة مفادها أن الصمود العسكري يترجم إلى مكاسب سياسية. وبين هذين المسارين، تبقى الحرب مفتوحة على احتمالات متعددة : إما صراع طويل وحرب استنزاف يدفع ثمنه المجتمع الدولي كافة ، او تهدئة وعودة لطاولة المفاوضات بوساطة دولية متعددة الاطراف.

الكلمات الدلالية