هل ينطبق مصطلح "لاجئ" على اليمنيين في مصر أو أية دولة عربية أخرى؟
على فكرة، استخدام مصطلح "لاجئين" من قبل المصريين للإشارة إلى أي مهاجر بسبب الأحداث في بلده، هو استخدام غير دقيق، ولا يتوافق مع التعريف القانوني للمصطلح وفق المعايير الدولية. لكن المثير للاستغراب فعلًا هو تماهي عدد من اليمنيين، المحسوبين على النخبة المثقفة، مع هذا الاستخدام، وتبنيه دون فهم واقعي علمي ومعرفي، أو مراجعة جادة للمفاهيم والمصطلحات وسياقاتها.
لأن اليمني، والسوري، والسوداني، لا يعيشون كحالات إعالة وعبء اقتصادي على الدولة، هم كأفراد يتحملون مسؤولياتهم كاملة. يدفعون تكاليف الإقامة، ورسوم المدارس، وإيجارات السكن، ويؤمنون احتياجاتهم اليومية من دخلهم الخاص. هذه ليست حالة نظرية أو مجرد ثرثرة اعتباطية، هي حقيقة وواقع يومي نراه في تفاصيل حياتهم، من فاتورة السكن إلى مصاريف التعليم والمعيشة. والدولة المصرية لا تدفع لأي مقيم أو مهاجر جنيهًا واحدًا، لأن وجودهم ينعكس على السوق من خلال الاستهلاك، ودفع الرسوم، والاستفادة من الخدمات مقابل تكلفتها.
وبخصوص بعض الإخوة اليمنيين الذين انخرطوا في الاعتذار المفرط، وذهبوا إلى حد تحميل أبناء بلدهم مسؤوليات جماعية على حساب كرامتهم، وجلد اليمنيين لإثبات أنهم "مؤدبين ومتربيين وبيسمعوا الكلام"، فهذه المواقف تعكس خللًا في موازنة العلاقة بين احترام البلد المضيف والحفاظ على الكرامة الذاتية. واحترام ابن بلدك وتقديرك حتى وأنت تصوّب خطأ ارتكبه، الاحترام لا يعني التنازل عن القيمة، كما أن النقد لا ينبغي أن يتحول إلى جلد جماعي. ونظرتك الدونية لنفسك وقلة استحقاقك تنعكس تمامًا على ابن بلدك وبلدك وجيل كامل.
أما ما يتعلق بما قالته منى صفوان حول منع اليمنيين من ارتداء الزي اليمني في أي بلد، فهذا غير صحيح إطلاقًا. اليمني يرتدي زيه التقليدي في مختلف الدول التي يقيم فيها. وهنا في ألمانيا، يخرج اليمنيون بزيهم، وتتحول الأعياد إلى مساحة لاستعادة الذاكرة والحنين، ولتعريف الآخرين بجزء من ثقافتهم. وينطبق ذلك على المقيمين والمهاجرين اليمنيين في دول أخرى، مثل السعودية، وتركيا، وقطر، وهولندا، وسويسرا، وفرنسا، والولايات المتحدة، حيث لا يوجد أي منع رسمي لهذا التعبير الثقافي.
كما أن ممارسة الرقص والاستماع إلى الأغاني اليمنية أمر طبيعي ومتاح، بشرط الالتزام بالنظام العام، وعدم إزعاج الآخرين أو تعطيل الطرق. وهنا لا بد من الوضوح، ما قام به بعض الإخوة اليمنيين كان خطأً ومرفوضًا، بغض النظر عن مكان حدوثه، لأن السلوك العام يقاس بأثره، لا بجغرافيته.
أما الادعاء بأن المهاجرين أثروا سلبًا على الاقتصاد المصري، فهو طرح يحتاج إلى مراجعة. في الواقع، يسهم المقيمون في تحريك عجلة الاقتصاد عبر الاستهلاك، ورفع الطلب، والدخول في أنشطة واستثمارات متفاوتة الحجم، ما ينعكس على فرص العمل بشكل مباشر أو غير مباشر. هذه معادلة اقتصادية معروفة، وليست محل خلاف بين المختصين.
وفي الوقت نفسه، من المهم الإقرار بحجم الضغوط التي يعيشها المواطن في مصر، من ارتفاع الأسعار إلى تحديات الخدمات والإيجارات. لكن ربط هذه الأزمات بوجود المهاجرين تبسيط مخل، لأن جذورها أعمق، وترتبط بالسياسات الاقتصادية والظروف العامة. والمفارقة أن المقيم نفسه يواجه هذه التحديات، وأحيانًا بعبء أكبر، لغياب أية مظلة حماية.
والجميع يعلم أن اليمنيين والسودانيين والسوريين، في كثير من الحالات، يدفعون مبالغ أعلى بكثير في الإيجارات، تصل أحيانًا إلى أضعاف القيمة المعتادة، وهو ما يعكس حجم الكلفة التي يتحملونها، لا الامتيازات التي يحصلون عليها.
وهذا ينفي ما قيل إن مصر "ليست بحاجة إلى المال". الواقع أن أية دولة، بما فيها مصر، تحتاج إلى موارد مالية مستمرة للحفاظ على توازنها الاقتصادي، بخاصة في ظل التحديات الراهنة. وبالتالي، عندما يقول اليمني إنه يعيش على نفقته الخاصة، فهو يصف واقعًا قائمًا، وليس خطابًا إنشائيًا.
نقطة أخرى، من المهم الانتباه إلى أن مسألة إخراج المهاجرين أو المقيمين من أي بلد، ليست قرارًا بسيطًا، هي خطوة ذات تبعات اقتصادية مباشرة. التجربة الألمانية توضح ذلك، فحتى مع تصاعد الخطابات السياسية، تعود الدولة إلى حساباتها الواقعية، وتوازن بين الأثر الاقتصادي ومتطلبات السوق. كما أن استخدام مصطلح "لاجئ" هناك يرتبط بوجود منظومة دعم وتأهيل حقيقية، وهو ما يختلف عن السياق الحاصل في الدول العربية. لا يوجد دعم ولا تأهيل لسوق العمل ولا دفع تكاليف، بل إن المهاجرين يدفعون مبالغ سنوية على كل فرد عند تجديد الإقامة، وهذا أرهق كثيرًا من الأسر التي ليس لديها مصدر دخل، وأصبح المبلغ السنوي تهديدًا لموضوع الاستقرار.
لذلك، يجب أن يبقى المبدأ واضحًا، اليمني يعيش في مصر على نفقته الخاصة، ويسهم اقتصاديًا، وفي المقابل يلتزم باحترام القوانين، ومراعاة النظام العام، واختيار المساحات المناسبة لممارسة أنشطته، بما يضمن التوازن بين الحرية الشخصية واحترام المجتمع.