صنعاء 19C امطار خفيفة

عندما تشعر الدولة بخطر داخلي

لم تعد الإشكالية اليوم في واقعة محددة هنا أو قرار إداري هناك، بل في لحظة فاصلة تعيد تعريف شكل الصراع في اليمن:

هل نحن أمام مشروع دولة يُراد له أن يقوم، أم أمام قوى تسعى لإعادة إنتاج مراكز نفوذ خارج إطارها؟

ما حدث مؤخرًا يكشف بوضوح أن بعض الكيانات، وعلى رأسها ما يرتبط بمسار عيدروس الزبيدي، لم تعد تتصرف كجزء من منظومة الدولة، بل كقوة موازية تحاول فرض وقائع على الأرض دون غطاء قانوني أو مؤسسي. وعندما تصل الأمور إلى حد تحريك قرارات أو ترتيبات ميدانية خارج إطار السلطة الشرعية، فإننا لا نكون أمام خلاف سياسي، بل أمام تحدٍ مباشر لفكرة الدولة نفسها.
الدولة، بطبيعتها، لا يمكن أن تقبل بوجود سلطات موازية، ولا أن تسمح لأي طرف – مهما كانت شعاراته – أن يعمل خارج قواعدها ثم يطالب بالشرعية. لأن القبول بذلك لا يعني سوى شيء واحد: تفكيك الدولة من الداخل.
من هنا، فإن تحرك الدولة لاستعادة مؤسساتها وفرض سيادتها لا يمكن قراءته كصراع مع مكوّن سياسي، بل كجزء من معركة بقاء. فالدولة التي تتهاون مع من يعمل خارجها، تفقد تدريجيًا قدرتها على فرض القانون، وتتحول إلى مجرد إطار شكلي تتنازعه القوى.
الأخطر في المشهد ليس الفعل بحد ذاته، بل الخطاب الذي يبرره.
ذلك الخطاب الذي يحاول تصوير أي محاولة لضبط المشهد المؤسسي على أنها استهداف سياسي، أو طعن في قضايا كبرى. وهنا يحدث الخلل: حين يتم تغليف الخروج عن الدولة بشعارات القضية، يصبح الانحراف مقبولًا، بل ومطلوبًا.
لكن الحقيقة التي يجب أن تُقال بوضوح:
لا توجد قضية عادلة يمكن أن تنجح وهي تعمل خارج إطار الدولة.
ولا يمكن لمشروع وطني أن يُبنى على ازدواجية السلطة.
إن تحويل القضايا إلى أدوات لحماية كيانات أو أشخاص من المساءلة، هو أخطر من أي خصم خارجي، لأنه يقوض الأساس الذي تقوم عليه الدولة: وحدة القرار، وسيادة القانون، واحتكار القوة.
ولهذا، فإن ما نشهده اليوم من استعادة لبعض مؤسسات الدولة ليس مجرد إجراء إداري، بل محاولة لاستعادة المعنى:
معنى أن تكون هناك دولة، لا مجموعة قوى.
قانون، لا تفسيرات.
مؤسسات، لا أشخاص.
في النهاية، المعركة الحقيقية ليست بين أطراف سياسية، بل بين نموذجين:
نموذج يرى الدولة إطارًا جامعًا فوق الجميع،
ونموذج يرى نفسه أكبر من الدولة، وأحق بها.
والتاريخ – في كل تجاربه – كان حاسمًا في هذه النقطة:
إما أن تنتصر الدولة… أو ينهار الجميع.

الكلمات الدلالية