صنعاء 19C امطار خفيفة

قادرون على أن نبني وقت العاصفة

ليس بالضرورة، ولا يليق بنا أن نظل أسرى البحث والتفكير والتساؤل حول: أين تكمن مصلحتنا؟

هل في هزيمة إيران، أو في هزيمة الصهاينة؟!

بالضرورة أن نتحرر من هذا القيد الذهني والتفكير العقيم، ونفكر في أن نكون أمة عربية محترمة؛ لها وزنها وقيمتها، وأن نعي أن هذه الحرب ليست فرصتنا كي نختار الغالب فيها، بل علينا أن نجعل منها فرصة نسعى من خلالها للملمة شتاتنا، ونستغلها لمصلحتنا، فنوفر لأنفسنا مخزونًا كافيًا من القمح والطاقة، ونتحرك في هذه الحرب بالوساطة الإنسانية من خلال القاهرة والدوحة ومسقط، باعتبارها عواصم لدول عربية مقبولة لدى الأطراف أكثر من غيرها، وأن لا نتورط عسكريًا، أو نسمح باستخدام أراضينا منصات ومحطات تصفية حسابات لا ناقة لنا فيها ولا جمل.
علينا أن نخرج من هذه العاصفة بمخزون كافٍ من الوعي، وبمخزون كافٍ من الغذاء والطاقة، وسمعة دولية جيدة بالوساطة الإنسانية، وتنسيق أمني وغذائي، ولو بشكل مجزأ مرحليًا بين كل دولتين أو ثلاث. فإن فعلنا ذلك، فإننا نكون قد ربحنا واستفدنا من الأحداث دون أن نريق شيئًا من دمائنا.
وأولى وأهم خطواتنا بعد ذلك هي إعادة بناء أمتنا؛ لنكون أمة محترمة تبدأ بضرورة الإسراع في إيجاد تعليم وبحث علمي متقدمين، يحرران العقول وينتجان قيمة يلمسها المجتمع، لا شهادات فقط.
وعلينا إيجاد اقتصاد يقلل التبعية، وتشجيع الصناعة والزراعة، ووضع آلية عملية عربية مشتركة تحقق مهام أساسية للناس، كالأمن الغذائي والطاقة والنقل كمرحلة أولى. ولا بد، قبل ذلك كله، من إيجاد قضاء مستقل يحمي الحقوق والحريات في عموم الوطن العربي، ويرافق كل ذلك خطاب ثقافي يوقظ لا يخدر، وإعلام قومي الانتماء والفكر يشرح الحقائق بدل أن يزيفها ويزين الولاءات ويطبع العمالة. كما أنه لا بد من تنسيق عربي براغماتي حقيقي يفصل بين الخصومة مع إيران والتبعية لواشنطن، ويُعلي من أولوية مصلحة البلدان العربية على ما عداها، ويجعل أمننا يُدار من عواصمنا لا من قواعد الآخرين. وبكلمة واحدة تختصر: نريد إرادةً وعملًا دون كلل.
فمن هنا سنتمكن من أن نضع اللبنات الأولى لأدوات قوتنا، لنفرض مصلحتنا على الخارج قبل الداخل، بدل أن ننتظر هزيمة أحد لنفرح بهزيمته.
أتفق مع من قد يقول إن كثيرًا من القيادات العربية الحالية غارقة في حسابات ضيقة، غير أن فكرة الحل – برأيي – تبدأ من خلال النخب الصادقة التي تملك شرف القدرة على خلق ضغط مجتمعي عبر الجامعات والنقابات والاتحادات والمنظمات الجماهيرية، ويرافقها إعلام مستقل يضطلع بأهداف عملية لتحقيق عزة وكرامة للأمة. وما علينا إلا أن نثق أن مع كل نجاح صغير تتسع الثقة، ويصعب تجاهل القيادات المحبطة له. ومن جانب آخر، علينا أن لا نتوهم سهولة الطريق، وفي نفس الوقت لا نستسلم للإحباط. ولتبدأ النخب من اللحظة في أن تؤطر نفسها دون تسييس، وتعمل بذكاء وصدق وجدية، واستعداد قوي للتعامل مع ردود أفعال أعداء الأمة، بإيمان أنهم لن يسهلوا لنا الطريق.
فأي مشروع استقلال، من أي نوع كان، سيُقابل حتمًا بمضايقات وتدخلات معيقة من الأعداء. فكل الدول والشعوب الفاعلة في عالم اليوم لم تصل إلى ما هي عليه بأريحية، ودون صبر وإصرار ومواجهة للتحديات، غير أنها بإرادتها وإصرارها على أن تكون أمة، واعتمادها على نفسها، مكنها من التغلب على تلك التحديات.
فما علينا إلا أن نعتمد على أنفسنا، ونثق أن إصرارنا على أن نكون أمة لها وزنها سيرفع كلفة تدخلاتهم المعيقة والمحبطة، ومع ثبات إصرارنا وبمضي الوقت ستتحول مضايقتهم لنا إلى تفاوض معنا بندّية، لا كما هي اليوم إدارة متبوع لتابع.
ومع أننا نؤمن أن البداية دائمًا أصعب، فإننا نؤمن أن التأخير يزيدها صعوبة، وأن الطريق الطويلة تبدأ بخطوة لا تضمن النهاية، بل ترفض الوقوف. سنخطئ، وسنُضايَق، لكن كل مخزون نزرعه، وكل وسيط إنساني ننجحه، وكل محاسبة صغيرة نقيمها، ترفع تكلفة العبث بنا.
وما علينا إلا أن نجرب، فنحن نملك ما هو أغلى من انتظار هزيمة هذا أو ذاك؛ نملك القدرة على أن نبدأ.
وأخيرًا، ففي خاطري همسة أراها مهمة لأختم بها هذا المقال، أعرضها في أربعة أمور مهمة تدعو الوطنيين العقلاء ليتخذوها مقياسًا في احترام أو عدم احترام أية سلطة حاكمة في وطننا العربي خاصة:
الأول: هل هي سلطة تحمي أرواح الناس، أم هي سلطة تضحي بهم؟
الثاني: هل لديها صدق وشفافية في أن تقول من أين تأتي بالأموال وأين تنفقها؟
الثالث: هل تدخل في حروب يدفع ثمنها الفقراء أكثر من النخب؟
الرابع: هل هي سلطة تولي كرامة الناس أهمية، وتوفر لهم الخدمات الأساسية؟
من يجتاز هذا المقياس الرباعي، حق له على الأمة طاعته وموالاته، ومن يفشل فيه فلا سمع له ولا طاعة.

الكلمات الدلالية