صنعاء 19C امطار خفيفة

ازدواجية المعايير الدولية.. بين ضغوط مجموعة السبع وتهديدات ترمب: إلى أين تتجه إيران؟

بالتوازي مع المهلة التي أصدرها ترمب لإيران، والتي منحها فيها 48 ساعة لفتح مضيق هرمز تحت تهديد استهداف محطات الطاقة ضمن ما يُتداول عن بنك أهداف أمريكي محتمل، جاءت دعوة مجموعة السبع لإيران بوقف هجماتهابشكل فوري وبلا شروط، في مشهد يعكس تناقضاً صارخاً في الخطاب الدولي؛ إذ تُمارَس أقصى درجات الضغط والتهديد من جهة على طرف واحد -الايراني - دون أي إشارة موازية لوقف التصعيد من الطرف الأمريكي أو الإسرائيلي.

في تطور لافت، دعت مجموعة السبع إلى "الوقف الفوري وغير المشروط لجميع الهجمات التي تشنها إيران, مع تأكيدها على أهمية حماية الممرات البحرية وضمان استقرار إمدادات الطاقة العالمية. هذه الدعوة، التي تبدو في ظاهرها حرصاً على التهدئة، تطرح في جوهرها إشكالية عميقة تتعلق بازدواجية المعايير في التعامل مع النزاعات الدولية.
السؤال الذي يفرض نفسه بوضوح: لماذا يُطلب من طرف واحد فقط وقف الهجمات، في حين يغيب أي موقف مماثل يدعو الولايات المتحدة وإسرائيل إلى وقف عملياتهما العسكرية؟ كيف يمكن الحديث عن تهدئة شاملة دون معالجة جذور التصعيد أو مساءلة جميع الأطراف المنخرطة فيه؟
إن تجاهل الدعوة إلى وقف الهجمات الأمريكية والإسرائيلية يضعف مصداقية الخطاب الدولي، ويعزز الانطباع بأن هناك انتقائية في تطبيق مبادئ القانون الدولي. فالهجوم، أياً كان مصدره، يبقى عملاً تصعيدياً، ولا يمكن احتواؤه عبر مطالبة طرف واحد بضبط النفس بينما يُمنح الطرف الآخر مساحة للتحرك دون مساءلة.
الأكثر إثارة للجدل أن هذه التطورات الخطيرة والمتسارعة جاءت في وقت كانت فيه المسارات الدبلوماسية لا تزال قائمة. فالمفاوضات، رغم تعقيدها، لم تكن مغلقة، وكان بالإمكان—من خلال ضغوط سياسية مدروسة—الوصول إلى اتفاق يحد من التصعيد.
ضمن هذا الجدل، برز موقف لافت من داخل المؤسسة الأمريكية نفسها، حيث أفادت مديرة الاستخبارات الوطنية بأن المعطيات التي جرى الترويج لها لتبرير التصعيد ضد إيران تفتقر إلى الدقة الاستخباراتية الكافية، وأوضحت أن الادعاءات المتعلقة بوجود تهديد وشيك أو اقتراب طهران من امتلاك سلاح نووي خلال فترة زمنية قصيرة لا تستند إلى تقييمات مؤكدة، بل تم تضخيمها سياسياً. هذا التصريح لا يكتسب أهميته فقط من مضمونه، بل من كونه صادراً عن أعلى سلطة استخباراتية في الولايات المتحدة، ما يعزز فرضية أن مسار التصعيد لم يكن مدفوعاً بالكامل باعتبارات أمنية موضوعية، بل تداخلت فيه حسابات سياسية واستراتيجية تتجاوز المعطيات الميدانية الفعلية.
وعلى هذا الاساس، تبدو إيران—وفق هذا التحليل—في موقع رد الفعل أكثر من الفعل. فهي تتحرك ضمن معادلة "الرد بالمثل" كذبيح يتخبط في محاولة لإيلام خصومها بقدر ما تتألم، خاصة في ظل محدودية قدرتها على الوصول المباشر إلى الأراضي الأمريكية. لذا تتجه استراتيجيتها نحو استهداف المصالح غير المباشرة: القواعد العسكرية في المنطقة، ومصادر الطاقة الحيوية مثل النفط والغاز، في محاولة لخلق ضغط اقتصادي عالمي يدفع نحو التراجع.
لكن هذه الاستراتيجية تحمل في طياتها مخاطر جسيمة تلقي بظلال خطورتها على جميع الاطراف ، فاستهداف إمدادات الطاقة لا يضر طرفاً بعينه، بل يهدد الاقتصاد العالمي بأسره. ومع تصاعد التوتر، بدأت بالفعل ملامح أزمة اقتصادية مخيفة تلوح في الأفق، قد تتفاقم لتشمل اضطرابات في الأسواق وارتفاعاً حاداً في أسعار الطاقة، ما سينعكس سلباً على جميع الدول دون استثناء.
في المقابل، تبدو الولايات المتحدة أيضاً في حالة تخبط استراتيجي إذ ترغب في استمرار حربها واسقاط ايران دونما ان يتأثر الاقتصاد العالمي والامريكي بشكل خاص.. كما انها تسعى إلى توسيع نطاق الصراع، وجر أطراف أخرى إلى ساحة المواجهة بدعوة اوروبا للمشاركة وفتح مضيق هرمز عبر تحرك عسكري مشترك. وهو مسار تدرك اوروبا مخاطره وترفض الانخراط فيه، خاصة في ظل قيادة امريكية سياسية تتسم قراراتها أحياناً بالاندفاع وعدم التوازن.
إن ما نشهده اليوم ليس مجرد صراع عسكري محدود، بل هو أزمة مركبة تتداخل فيها الحسابات السياسية والاقتصادية والاستراتيجية. ومع استمرار هذا النهج، يقترب العالم أكثر من حافة أزمة شاملة، قد لا تقتصر تداعياتها على الشرق الأوسط، بل تمتد لتطال النظام الدولي بأكمله.
في النهاية، لا يمكن تحقيق تهدئة حقيقية عبر بيانات أحادية الجانب أو دعوات انتقائية. الحل يتطلب مقاربة متوازنة، تعترف بمسؤولية جميع الأطراف، وتعيد الاعتبار للدبلوماسية كخيار وحيد لتفادي الانزلاق نحو كارثة أكبر.
وهنا يبرز السؤال الحاسم الذي سيحدد مسار المرحلة القادمة: هل ستستجيب إيران لدعوات مجموعة السبع وتخضع لمنطق التهدئة، و ترضخ لتهديدات ترمب ومهلة الثمانٍ والأربعين ساعة؟ أم أنها ستختار التصعيد والمقامرة حتى النهاية، وفق معادلة صفرية مفادها: إما أن نكون جميعاً… أو لا نكون؟

الكلمات الدلالية