السعودية واليمن بين التهدئة وإعادة التموضع… وخطر العودة للمواجهة
إذا ما طالت الحرب في المنطقة، وهو السيناريو الذي بات يراه كثير من المحللين الاستراتيجيين أكثر ترجيحًا، فإن المملكة العربية السعودية ستجد نفسها أمام لحظة مفصلية في مقاربتها للملف اليمني، لحظة لا تحتمل التردد بقدر ما تفرض حسمًا في الاتجاه.
لم يعد اليمن بالنسبة للرياض مجرد ساحة نفوذ أو خاصرة أمنية رخوة، بل تحوّل إلى عقدة استراتيجية تتقاطع فيها حسابات الأمن القومي مع توازنات الإقليم. ومع تصاعد احتمالات توسّع الحرب، فإن إبقاء هذا الملف في حالة "تعليق" لم يعد خيارًا آمنًا، بل مخاطرة مؤجلة قابلة للانفجار في توقيت غير محسوب.
أمام هذا الواقع، تتبلور ثلاثة خيارات رئيسية:
الخيار الأول، يتمثل في التسريع بالعملية السياسية السلمية في اليمن، وتقديم تنازلات، بمنطلق براغماتي يهدف إلى تأمين الحدود الجنوبية وتحييد الجبهة اليمنية عن تداعيات الصراع الإقليمي. فإغلاق هذا الملف يمنح الرياض مساحة لالتقاط الأنفاس وإعادة ترتيب أولوياتها في بيئة مضطربة.
أما الخيار الثاني، فيكمن في إعادة صياغة شبكة التحالفات الإقليمية في الملف اليمني، لا سيما داخل مجلس التعاون الخليجي، وعلى رأسها العلاقة مع الإمارات، وربما توسيع دائرة التحالف لتشمل قطر أيضًا، بهدف تشكيل كتلة إقليمية قادرة على تقاسم كلفة أي مواجهة محتملة مع صنعاء، بدل تحمّلها منفردة.
غير أن هذين الخيارين، على أهميتهما، قد لا يكونان كافيين في حال تسارعت التحولات الإقليمية على نحو يتجاوز قدرة الرياض على المبادرة. وهنا يبرز الخيار الثالث، وهو الأخطر: أن تُفرَض على السعودية معادلات جديدة في اليمن من خارج إرادتها.
فمع ترابط الساحات وتصاعد أدوار الفاعلين الإقليميين، لم يعد اليمن ملفًا قابلًا للعزل، بل أصبح جزءًا من منظومة ضغط أوسع. وفي هذا السياق، قد تتحول صنعاء إلى طرف يمتلك زمام المبادرة، قادر على فرض إيقاع التصعيد، سواء عبر عمليات نوعية، أو عبر توسيع نطاق الضغط ليشمل أبعادًا استراتيجية عسكرية وأمنية واقتصادية.
هذا السيناريو لا يعني بالضرورة حربًا شاملة، بل قد يتخذ شكل تصعيد تدريجي أو ضربات محسوبة، لكن نتيجته ستكون واحدة: انتقال السعودية من موقع صانع القرار إلى موقع المتلقي للضغط.
في المحصلة، لم يعد السؤال: ماذا تريد السعودية في اليمن؟
بل: هل ما تزال تملك ترف اختيار المسار، أم أن عامل الزمن بدأ ينتزع منها هذه القدرة؟