مقبولة والكذبة الوطنية النبيلة..

ما إن خطوت مبتعدا عن عربة عبده خواجه بضع خطوات حتى تنبهت لوقع خطى خفيفة تلحق بي.. التفت.. فإذا بها هي.. تلك المرأة المنقبة التي كانت تبيع اللحوح بجانبه.. جاءت تهرول نحوي كأنها تهرب من شيء لا يرى.
وقفت أمامي لاهثة ورفعت نقابها قليلا لتلتقط أنفاسها.. فشهقت روحي..
يا إلهي.. إنها هي.. مقبولة..
مقبولة التي كنا نركض خلف حشرات الطفولة معا.. مقبولة التي تجرأت ذات عصر بعيد وأنا صبي أحمق وقلت لها ووجهي يتضرج خجلا
: أحبك..
فردت علي يومها ببراءة ساذجة وهي تركل حصاة بقدمها الصغيرة
: وأنا ما دخلني.!!
كان السلام بيننا جنازة صامتة لعمر كامل ضاع منا على قارعة الحرب والضياع.. ثلاثون عاما من الغياب اختزلت في نظرة واحدة كأنها تقول
: أهلا بك في الخراب.
قالت بصوت ذبحه التعب قبل أن تذبحه الحرب
:هل عرفتني؟
:يا الله.. وهل ينسى القلب أول دقاته؟
رغم مرور كل تلك السنين العجاف ورغم الغبار الذي غطى وجهها والخطوط التي حفرها الزمن والقهر على جبينها إلا أنني عرفتها.. لم تتغير مقبولة.. الحب لا يجعل الحبيب يغير نظره لمن يحب.. الحب الصادق أعمى عن الزمن.
ثمة ميزة في وجه مقبولة، بأنها ورغم خطوط التعب والكبر التي صارت كخارطة للوجع إلا أنها ظلت في نظري.. مقبولة.. ظلت كما تركتها بملامح الصغيرة التي تخجل من نظرتي.
رحبنا ببعض بابتسامة مكسورة كأنها زجاج ندوس عليه حفاة.. علمت عن حالي من عيني قبل أن أنطق.. رأت في كل الخسارات., ثم طلبت منها أن تخبرني عن حالها، فأطرقت وبلعت ريقها كأنها تبلع سكينا:
:تزوجت.. وأنجبت ثلاثة أطفال.. زوجي.. التحق بالجبهة منذ ثلاث سنوات ولم يعد.. قالوا استشهد، وقالوا مفقود وقالوا أسير.. وأنا هنا معلقة بين السماء والأرض لا زوج يطعمني ولا أرملة فأبكيه وأنساه.. أبيع اللحوح كل صباح لأطعم الثلاثة.. لقد بدأوا يكبرون.. وصرت خائفة من أن يأتوا لأخذهم.
تجمد الدم في عروقي. سألتها والكلمة تخرج مني كالرصاصة
:من يأخذهم؟
فأشاحت بوجهها، ومسحت دمعة لم تنزل، وقالت بصوت ميت
:تجاهل ما قلته..
يا لوجع هذه الجملة..تجاهل ما قلته.. كم من الأمهات في هذه البلاد قلنها وهن يبتلعن خوفهن من أن يخطف أولادهن ليصيروا حطبا للحرب..او حطبا لشيء اخر..
ثم.. في صمت أثقل من الجبال مدت يدها المرتعشة التي أحرقتها نار التنور وسنين الذل، وناولتني قرص لحوح قالت وهي تخفي انكسارها برموشها
:هذه لك.. هدية.. ذكرى لأيام الطفولة..
أخذت قرص اللحوح بيدين ترتجفان.. كان أثقل من جبل.. لم يكن لحوحا.. كان عمرا كاملا عاد إلي ساخنا.. كان اعتذارا وكان عتابا وكان حبا دفناه حيا وعاد يستغيث.
نظرت إليها ولم أجد ما أقوله.. فالكلام مات يوم ماتت أحلامنا.
فقط.. فقط أكلت قطعة من قرص اللحوح ودموعي تسقط فيه...فكان طعمه.. طعم الملح والدم والذكرى.
حين ناولتني اياه لامست أصابعي أصابعها.. كانت باردة كيد ميت خشنة كخشب العربة التي تقف خلفها.. يا لبؤس الزمن.. كيف يحول الأيادي الناعمة إلى حطب.
تركتها واقفة هناك، ومضيت أجر قدمي وقلبي.. وقبل أن أنعطف إلى مدخل القرية المائل لمحت بقالة صغيرة تسرق إشارة إنترنت ضعيفة.. وقفت.. شيء ما بداخلي كان يغلي ويحتاج أن ينفجر حرفا..
فتحت هاتفي المحتضر، وكتبت منشورا وكأني أصرخ في وجه العالم كله:
(بعد سنوات غربة عدت لأجد حبيبة قلبي.... هي مسكني ومحبتي وروحي وملجئي)
ثم ارتعشت يدي.. تذكرت زوجتي وتذكرت ثقب الإبرة في فنجانها وتذكرت الخيط الواهن الذي لو انقطع متنا..
فأضفت للمنشور بسرعة وأنا أخون قلبي لأنقذ بيتي: اليمن.. حبيبة قلبي اليمن..
نعم.. اليمن.. كي لا أشعل حربا أخرى في بيتي المتهالك.. كي لا تقرأ زوجتي المنشور فتظن أنني عدت لأبحث عن مقبولة لا عن لقمة عيش.
ضغطت "نشر".. وأحسست أني دفنت قلبي مرة أخرى تحت ركام كذبة وطنية نبيلة.
للبقية تتمة...
