وقفات رمضانية مع الآيات القرآنية(29)
سُنّة ضبط القوّة ومنع تحوّلها إلى عدوان
قال تعالى:
﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾
— البقرة: 190
--------------------------------------
لماذا لم تبدأ الآية بالأمر بالقتال فقط؟
الآية لا تقول: قاتلوا.. ثم تتوقف.
بل تضع قيدين واضحين:
• من يُقاتِل
• وحدود القتال
فالقرآن هنا لا يطلق القوة بلا ضابط،
بل يربطها بسبب وحدٍّ أخلاقي.
القوة في منطق القرآن
ليست غاية،
بل وسيلة لحماية الحق.
--------------------------------------
لماذا قال: الذين يقاتلونكم؟
لأن الأصل في العلاقة بين البشر
ليس الحرب.
الأصل:
• التعارف،
• والعدل،
• والتعايش.
• السلام.
لكن حين يتحول الطرف الآخر إلى معتدٍ من تلقاء نفسه
يصبح الدفاع ضرورة.
الآية تقرر قاعدة مهمة:
القتال في الإسلام ردّ على عدوان
لا مشروع عدوان.
--------------------------------------
القيد الأخطر في الآية
بعد الإذن بالقتال مباشرة تأتي الجملة الحاسمة:
﴿وَلَا تَعْتَدُوا﴾
حتى في الحرب
هناك حدود.
هذا من أعجب ما في القرآن:
أنه يضع أخلاقًا حتى في لحظة الصراع.
فلا يتحول الدفاع إلى انتقام،
ولا تتحول القوة إلى ظلم.
--------------------------------------
ما معنى الاعتداء هنا؟
الاعتداء ليس فقط بدء الحرب.
بل كل تجاوز للعدل:
• ظلم الأبرياء،
• كسر العهود،
• تجاوز الحدود،
• تحويل الصراع إلى تدمير.
• التدخل في شئون الآخرين.
• فرض ما أراه بالقوة.
حين تتجاوز القوة هدفها
تصبح هي نفسها ظلمًا.
ولهذا ختمت الآية بوضوح شديد:
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾.
--------------------------------------
لماذا تعدّ هذه الآية ميزانًا لآيات القتال؟
لأنها تضع القاعدة الأخلاقية العامة:
القتال في القرآن
ليس عقيدة حرب،
بل تنظيم لضرورة الدفاع.
فالآيات الأخرى التي تتحدث عن القتال
تُفهم في ضوء هذه القاعدة:
لا قتال بلا سبب،
ولا قتال بلا حدود.
--------------------------------------
المشكلة حين تُقرأ الآيات بلا سياق
أحيانًا تُقتطع آيات القتال
من سياقها التاريخي والقرآني.
فيبدو النص وكأنه دعوة مفتوحة للصراع.
لكن حين نعود للميزان القرآني
نكتشف أن الهدف ليس الحرب
بل منع العدوان.
القرآن لا يقدّس الحرب،
بل يحاول ضبطها
حين تصبح لا مفر منها في الواقع البشري.
--------------------------------------
أين يظهر الاعتداء اليوم؟
الاعتداء لا يظهر فقط في الحروب.
بل يظهر في:
• استغلال القوة،
• قهر الضعيف،
• استخدام السلطة بلا عدل،
• تحويل النفوذ إلى ظلم وقهر.
كل قوة بلا ضابط
يمكن أن تتحول إلى اعتداء.
ولهذا جاءت الآية قاعدة عامة لبقية آيات القتال في القرآن بل
ولكل أشكال القوة في الحياة.
--------------------------------------
رمضان.. تدريب على ضبط القوة
الصيام في جوهره
تدريب على السيطرة على النفس.
الإنسان يستطيع أن يأكل
لكنه يمتنع.
يستطيع أن يغضب
لكنه يكبح نفسه.
وكأن رمضان يعلّم الإنسان
أن القوة الحقيقية
ليست في القدرة على الفعل،
بل في القدرة على ضبط الفعل.
وليس الشديد بالصرعة بل الشديد من يملك نفسه عند الغضب كما جاء في الحديث النبوي
--------------------------------------
خاتمة
﴿وَلَا تَعْتَدُوا﴾
كلمتان قصيرتان
لكنّهما تحميان العالم من الفوضى.
القوة قد تكون ضرورية،
لكن العدل هو الذي يعطيها شرعيتها.
فحين تُضبط القوة بالعدل
تصبح حماية للإنسان.
وحين تنفلت من حدودها
تتحول إلى ظلم جديد
حتى لو بدأت دفاعًا.
والله من وراء القصد،،،
غدا نلتقي- إن شاء الله- في وقفة وآية أخرى
طابت أوقاتكم/ن وتقبل الله منكم/ن