صنعاء 19C امطار خفيفة

تراث اليمن في مهب "مشاريع الورق".. تعز نموذجاً لتبخر التمويلات وبقاء الأطلال

تراث اليمن في مهب "مشاريع الورق".. تعز نموذجاً لتبخر التمويلات وبقاء الأطلال
قلعة القاهرة- منصات التواصل

في حارات تعز القديمة، تتساقط قطع "الآجُرّ" (الطوب الأحمر المحروق) من مآذنها التاريخية بصمت، بينما تُرفع نخب الإنجاز في قاعة فندق فخم احتفاءً باختتام ورشة عمل حول 'صون التراث والحماية المستدامة '. هذه هي المفارقة الموجعة؛ ففي الوقت الذي تلتهم فيه الحرب والتعرية ذاكرة المدينة المادية، يزدهر 'تراث الورق' الموجه للممولين، مخلفاً وراءه قصوراً في الأثر وفجوة تتسع بين ضجيج المبادرات وصمت الأطلال.

هذا المشهد التعزي ليس إلا مرآة لواقع أشمل؛ ففي اليمن قاطبة، حيث يشكّل التراث جزءًا حيًا من الحياة اليومية للناس، بات التراث المادي واللامادي من أكثر المجالات هشاشة خلال سنوات الصراع الطويلة. ومع تصاعد الاهتمام الدولي بحماية التراث في مناطق النزاع، شهدت الساحة الثقافية اليمنية خلال السنوات الماضية سلسلة من البرامج والمبادرات التي رفعت شعار إنقاذ التراث وصونه.

جامع الأشرفية في تعز _ منصات

إنَّ ما يضفي على هذه المأساة بعداً وجودياً هو أنَّ اليمن لا يواجه مجرد أرقام، بل يواجه ضياع حضارة تشكلت عبر القرون؛ فمن تعز وعدن وصنعاء القديمة، وصولاً إلى العمارة التقليدية والفنون الشفاهية والحرف اليدوية، يمتلك اليمن منظومة ثقافية معقدة تعكس ذاكرة المجتمع وتجارب أجياله. غير أنَّ الحرب، وما رافقها من انهيار مؤسسي واقتصادي، حوّل هذا الثراء من 'ذاكرة حية' نعيشها، إلى 'مكونات هشة' في دائرة الخطر، سواءً بسبب الإهمال، أو التدمير، أو النهب، أو حتى تراجع الممارسة الاجتماعية التي كانت يوماً نبض الحياة في هذه المدن.

فجوة الحارة والفندق: من يحمي الذاكرة؟

يتجاوز الخطر حدود سقوط الأحجار  ليمتد إلى انقطاع أنفاس الممارسة الحية لهذا التراث. فخلف جدران الفنادق المكيفة حيث تُعقد ورش 'حماية التراث' ويُناقش الخبراء استراتيجيات الصون، يقف في حارات تعز حرفيٌ أفنى عمره في مهنة 'المدر' أو 'تطريز الأزياء التراثية القديمة مثل الزي الصبري التراثي بالخصائص والتفاصيل الكثيرة، يقف اليوم عاجزاً حتى عن شراء أدوات مهنته التي توشك على الانقراض. هذه الهوة بين (برستيج) العمل المنظماتي ومعاناة (حملة التراث) الفعليين، تجعل من التراث مجرد 'موضوع' للنقاش، بينما هو في الحقيقة 'حياة' تُحتضر على مرأى من الجميع.
ومع دخول الحرب عامها العاشر، اتجهت أنظار عدد من المنظمات الدولية والبرامج الثقافية إلى التراث اليمني بوصفه مجالًا يحتاج إلى تدخل عاجل. وقد تركز جزء من هذه المبادرات في مدن مثل تعز وعدن وغيرها من المناطق الواقعة ضمن نطاق الحكومة اليمنية  المعترف بها دوليًا، حيث شهدت الساحة الثقافية سلسلة من المشاريع والورش التدريبية والبرامج التي تحمل عناوين متعددة مثل "حماية التراث"، و"إعادة إحياء التراث"، و"تطوير التراث" أو "دمجه في التنمية الثقافية".

مدخل جامع ومدرسة الأشرفية-منصات
الكثير من المبادرات وقعت في فخ ما يمكن تسميته بـ 'سياحة الورش'؛ حيث يتحول التراث إلى مجرد ملفات  وصور ملونة تُرفق في تقارير الإنجاز للممولين. وهنا يبرز السؤال الملح: لماذا تنجح هذه البرامج دوماً في طباعة البروشورات الفاخرة وحجز قاعات الفنادق، بينما تفشل في تثبيت حجر واحد آيل للسقوط في قلعة القاهرة أو ترميم زاوية في مساجد تعز التاريخية
وعلى الرغم من الإخفاقات الواسعة ، لا يمكن إنكار أن هذه الأنشطة أسهمت دون شك في إعادة طرح قضية التراث في الفضاء العام بعد سنوات من التهميش الذي فرضته الحرب، كما وفرت فرصًا محدودة للتدريب والتوثيق والعمل الثقافي، وفتحت المجال لعدد من المبادرات التي حاولت إبقاء موضوع التراث حاضرًا في النقاش الثقافي والمجتمعي.

تعز نموذج الممارسة الرمزية للتراث

تثير المشاريع والورش التي استهدفت مدينة تعز خلال سنوات الحرب تساؤلاتٍ كبرى؛ فخلف واجهة البرامج الثقافية، تبرز الشفافية في إدارة التمويلات كقضية ملحة تحتاج إلى كشف ومراجعة موضوعية.فالمدينة رغم حضورها الثقافي والغنى التراثي فيها، لم تشهد تحولًا ملموسًا في صون التراث المادي أو اللامادي. كثير من المبادرات اكتفت بإقامة ورش قصيرة أو فعاليات مؤقتة، وغالبًا دون إشراك المبدعين المحليين والباحثين في التراث الشعبي بشكل فعال. النتيجة: استفادت المدينة من الوجود الرمزي للبرامج، لكن الأثر الفعلي على حماية التراث وتعزيزه في المجتمع كان محدودًا، ما يطرح تساؤلات مهمة حول جدوى استثمارات المانحين وضرورة وضع آليات تقييم شفافة وواقعية تضمن أن تصل الفائدة إلى المجتمع نفسه وليس فقط إلى تقرير الإنجاز للممولين.
الأمر الذي يفتح الباب أمام قراءة نقدية لمدى أثر أغلبية البرامج والمشاريع الفعليّ على الواقع الثقافي. فالكثير من الأنشطة التي نُفذت خلال السنوات الماضية اتخذت شكل ورش تدريبية قصيرة أو فعاليات ثقافية محدودة الزمن، انتهت بانتهاء تمويلها دون أن تترك أثرًا ملموسًا على البنية الحقيقية للتراث أو على استمرارية ممارساته الاجتماعية. وفي حالات عديدة بدا أن بعض المشاريع تستجيب بدرجة أكبر لمتطلبات التمويل وتقارير الإنجاز، أكثر من استجابتها لحاجات الواقع الثقافي نفسه. هذه الفجوة بين النشاط المعلن والنتيجة المتحققة على الأرض تطرح سؤالًا مشروعًا حول طبيعة المقاربة التي تُدار بها مشاريع التراث، ومدى قدرتها على إحداث أثر مستدام يتجاوز حدود الأنشطة المؤقتة.

Screenshot Comgoogleandroidgooglequicksearchbox Edit
ومن القضايا التي يثيرها كثير من المهتمين بالتراث في اليمن مسألة غياب أو تهميش دور الباحثين والمبدعين المحليين في عدد من هذه البرامج. فالمشتغلون الحقيقيون في مجالات التوثيق التراثي، والحرف التقليدية، والفنون الشفاهية، يشكلون في الواقع الذاكرة الحية التي يقوم عليها أي مشروع جاد لحماية التراث. حيث يشير الكثير من الفاعلين ضمن التراث إلى أنهم لم يكونوا ضمن دائرة الاستفادة الفعلية من العديد من المبادرات التي أُطلقت خلال سنوات الحرب. هذه المفارقة تطرح تساؤلًا مهمًا حول طبيعة العلاقة بين البرامج الممولة والبيئة الثقافية المحلية: هل استطاعت هذه المشاريع بناء شراكة حقيقية مع حاملي التراث أنفسهم، أم أنها اكتفت بالتعامل مع التراث بوصفه موضوعًا للمشاريع أكثر من كونه ممارسة اجتماعية حية داخل المجتمع؟.

كشف حساب ثقافي: ضرورة ملحة للتصحيح

لم يعد مقبولاً الحديث بليونة عن 'الحاجة للشفافية'، بل حان الوقت للمطالبة بـ 'كشف حساب ثقافي' علني. من حق المجتمع المحلي في تعز واليمن عموماً أن يعرف: كم نال التراث المهدد فعلياً من 'كعكة' التمويل الدولي؟ وكم التهمت النفقات التشغيلية وسفريات 'الخبراء الطارئين' من تلك الميزانيات التي رُصدت باسم إنقاذ ذاكرتنا؟

حوانيت تعز
ومن هنا تبدو الحاجة ملحة إلى آليات تقييم أكثر وضوحًا وشفافية، تتيح للمجتمع الثقافي والمانحين على حد سواء معرفة ما تحقق بالفعل، وما الذي لا يزال بحاجة إلى مراجعة وتطوير.
ولا يعني ذلك التقليل من أهمية جهود المنظمات أو التشكيك المطلق في جدواها؛ فوجود برامج تهتم بالتراث في ظل الحرب يظل أمرًا إيجابيًا في حد ذاته. لكن التقييم المهني لأي تجربة يقتضي النظر بموضوعية إلى الفجوة التي قد تنشأ أحيانًا بين أهداف المشاريع المعلنة وبين أثرها الحقيقي على الأرض.
وفي ظل هذا الواقع، تبدو الحاجة ملحة إلى مراجعة هادئة وشاملة لتجربة العمل الثقافي المرتبط بالتراث خلال سنوات الحرب. مراجعة لا تنطلق من منطق الاتهام أو التبرير، بل من الرغبة في تقييم التجربة واستخلاص دروسها، بما يضمن أن تكون الجهود المستقبلية أكثر ارتباطًا بالواقع المحلي وأكثر إنصافًا للمبدعين والباحثين الذين يحملون الذاكرة الثقافية الحية للمجتمع.

نحو مراجعة وطنية شاملة..

في النهاية، يجب أن يدرك الجميع أن استمرار التعامل مع التراث كملف للاستثمار 'الموسمي' وليس كقضية وجود، يعني أننا قد ننجح في إنقاذ التقارير والوظائف، لكننا سنخسر الهوية للأبد. التراث اليمني، وفي قلبه تعز، لا يحتاج إلى مزيد من الورش العابرة، بل إلى ضمائر مهنية تُعيد الاعتبار للحجر والبشر معاً قبل أن يتحول تاريخنا بالكامل إلى مجرد حكايات في كتب المانحين.

الكلمات الدلالية