القدرية.. الاختيار حين يخط مساراته
جماعة أفاقت على قلق الاختيار فقررت أن تخرج الإنسان من زنزانة المكتوب إلى فضاء المسؤولية. كانت القدرية محاولة لاسترداد كرامة الإرادة البشرية من قبضة التصورات التي قد تجعل الله شريكاً في أخطاء عباده. رأي كلامي تسلل إلى الوعي ليجعل العالم كتاباً يخط فيه البشر نصوصهم الخاصة، فالإنسان فاعل حقيقي لا يحتاج إلى تفويض سماوي ليقرر أين يضع قدمه.
ظهرت القدرية في مناخ كان العقل الإسلامي فيه يضيق بالاستخدام السياسي لفكرة القدر، حين كانت السلطة الأموية ترجع كوارث السياسة وفساد الحكام إلى قضاء الله. ومع تراكم المظالم التي جرى تبريرها باسم المشيئة خرج معبد الجهني وغيلان الدمشقي ليقولا للقصور: "لا قدر.. بل الأمر أُنُف". أي أن أفعال الإنسان تنشأ في نطاق إرادته ومسؤوليته، وأن السماء لا تُنسب إليها الأفعال القبيحة للبشر. تحولت فكرة القدر من ذريعة تبريرية إلى سؤال أخلاقي عن مسؤولية الإنسان عن اختياراته.
بدت الفكرة أقرب إلى ثورة أخلاقية منها إلى تمرين ذهني. الله عادل، والعدل لا يستقيم مع تعذيب كائنات لم تختر طريقها. إذا كتب الكفر على الكافر قبل أن يولد ثم عذبه عليه يصبح الحساب عبثاً. الإنسان في هذا التصور هو من يُحدِث أفعاله ويمتلك القدرة على الاختيار والتغيير. حرية الإنسان أصل العدل الذي يقوم عليه الثواب والعقاب.
في أواخر العصر الأموي كانت هذه الكلمات تهز العروش وتربك المجالس. رآها البعض تقليلاً من هيمنة المشيئة الإلهية، وقرأها الحكام بياناً سياسياً ملغماً. أن تقول إن الإنسان مسؤول عن فعله يعني إسقاط الشرعية عن كل حاكم ادعى أن الله وضعه فوق رقاب الناس. لذلك لم تعامل السلطة القدريين كأصحاب رأي وإنما كخوارج. جرى التعامل مع رؤوسهم بالسيوف لا بالردود.
لاحقاً نضجت هذه البذور في فكر المعتزلة، جعلوا العدل أحد أصولهم الكبرى، وصاغوا من الفكرة القدرية رؤية كلامية تُعلي من شأن العقل وترفض صورة "إله يجبر الناس ثم يحاسبهم". قالوا إن القدرة البشرية تسبق الفعل، وإن الإنسان مخلوق ليَفعَل لا ليُفعَل به. في تصورهم يشبه الإنسان مهندساً يبني حياته لبنة لبنة، والوحي مجرد خارطة طريق لا تمنع المهندس من الانحراف أو الإتقان.
لكن القدرية التي حاولت تحرير الإنسان وُوجهت بتهمة الانتقاص من سلطان المشيئة الإلهية. وُصم أصحابها بأنهم "مجوس هذه الأمة"، لأن قولهم بخلق الإنسان لأفعاله بدا لكثيرين وكأنه إثبات لخالقين في الكون. ومع احتدام الجدل ظهر موقف وسطي لدى أهل السنة، خصوصاً في نظرية الكسب الأشعرية، النظرية التي حاولت التوفيق بين قدرة الله ومسؤولية الإنسان. وبمرور الوقت تراجعت القدرية تحت ضغط القمع السياسي وقوة الجدل الكلامي للمذاهب المنافسة، بينما بقي السؤال حياً: هل الإنسان صانع مصيره أم مجرد صدى لمشيئة بعيدة؟
ذلك السؤال ما زال يتردد في الوعي حتى اليوم، بين من يعزو إخفاقه إلى النصيب ومن يرى أن النجاح والفشل ثمرة اختيارات. خلف هذا الجدل تقف دماء معبد الجهني ونقاشات غيلان الدمشقي وصرخة المعتزلة القديمة: أن الله أعدل من أن يجبر عبداً على السقوط ثم يسأله لماذا تعثرت، وأن الحرية اختبار حقيقي للوجود وليست رفاهية.