صنعاء 19C امطار خفيفة

الأشعرية.. الوسطية تدير المتناقضات

لو كان للتاريخ الفكري أن يصمم منطقة انتقالية تتسع لصخب العقل المعتزلي باعتزازه بنفسه، وصرامة النص السلفي بذهوله عن التأويل، لكانت الأشعرية هي المنطقة الآمنة التي تسع الجميع دون أن تمنح صك الحقيقة المطلقة لأحد.

جماعة ولدت من رحم الحيرة الكبرى حين قرر أبو الحسن الأشعري في القرن الرابع الهجري أن يغلق باب الاعتزال، ليفتح نافذة يطل منها العقل على النص دون أن يكسره، ويصافح النقل فيها المنطق دون أن يذوب فيه، كأن الرجل أراد أن يوضح أن الحقيقة صياغة متوازنة تجمع بين هيبة القديم وضرورة الفهم.
بانقلاب فكري هادئ وضع الأشعري أسس قراءة متوازنة للنصوص، مدركاً أن المبالغة في عقلنة الإله قد تحول العقيدة إلى معادلة جافة تليق بكتب الهندسة، بينما الجمود على حرفية النص قد يحول الإيمان إلى وثن لغوي يعبد الحرف ويذبح المعنى.
جاءت الأشعرية لترمم الشروخ وتزرع في حقول العقيدة السنية بذور الاعتدال، وأصبحت بمرور الوقت المرجعية الوسيطة لفقهاء المذاهب، من الشافعية الذين يقدسون الأثر إلى المالكية الذين يعشقون النظر، واجدين فيها درعاً يحمي الإيمان من شطحات المعتزلة ومن تحجر الحنابلة، وكأن الأشعرية مؤسسة تدير الخلاف بكياسة البيروقراطي المحترف.
في صلب هذا البناء يبرز مفهوم "الكسب"، الصيغة التي شكلت تحدياً فكرياً في تحديد مسؤولية الإنسان عن فعله دون أن يكون خالقاً له، وتأكيد انفراد السماء بالخلق دون أن تظلم العبد في مصيره، وهو المفهوم الذي جعل الأشاعرة عرضة لسهام الجميع. المعتزلة يرونهم تابعين للنقل والمتشددون يعتبرونهم مميعين لصرامة النص، بينما التاريخ يشير إلى مساهمتهم في استقرار الوعي السني في بغداد والقيروان.
تحولت الأشعرية من مجرد تمرين فكري في أروقة المساجد إلى مشروع إمبراطوري قاده رجال جمعوا بين الفقه والتصوف والفلسفة كالغزالي والطرطوشي والسهروردي، حيث يلتقي الفقه بالتصوف، والمنطق بالتأمل العقلي، ضمن نسق متوازن يحدد دور العقل ضمن إطار منهجي واضح.
في بلاط الخلفاء والسلاطين أدت الأشعرية وظيفة مفهومية بالغة الأهمية، ربطت بين مسؤولية الفرد الأخلاقية وبين ضرورة النظام العام، فأسهمت في صياغة رؤية تنظم المجال الديني والسياسي مما حد من تحول الخلاف العقدي إلى صدام اجتماعي مباشر، وحول المدارس النظامية إلى معامل لإنتاج علماء وسطيين يدافعون عن العقيدة بأدوات الفلاسفة أنفسهم.
وعلى الرغم من الانتقادات التي تصف الأشاعرة بـ "المرقعين" بين المتناقضات إلا أن استمرارهم كمرجعية في الجامعات الإسلامية التقليدية مثل الأزهر والقرويين والجامعات في المغرب والشام، يبرز قدرتهم على الجمع بين النص والعقل والفهم العقلاني للنصوص مع حماية الدين من الانفجار الداخلي.

الكلمات الدلالية