وقفات رمضانية مع الآيات القرآنية(11)
سُنّة الميزان الحقيقي لقيمة الإنسان
قال تعالى:
﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾
— الحجرات: 13
--------------------------------------
لماذا ينشغل الإنسان دائمًا بالسؤال الخطأ؟
من أقدم أسئلة البشر:
من الأفضل؟
من الأحق؟
من الأعلى مكانة؟
وتاريخ المجتمعات كلّه تقريبًا
كان محاولة للإجابة عن هذا السؤال عبر:
• النسب والدم،
• القوة،
• المال،
• اللون،
• القبيلة،
• المنصب،
• أو حتى المعرفة.
لكن القرآن يأتي ليقلب السؤال من أساسه.
لا يسأل: من الأقوى؟
ولا: من الأغنى؟
بل يضع ميزانًا لا يُرى بالعين.
--------------------------------------
المشكلة ليست في الاختلاف.. بل في معيار التفاضل
الناس سيبقون مختلفين:
• في القدرات،
• والفرص،
• والمواقع،
• والنجاحات.
القرآن لا ينكر هذا التنوع،
لكنه يمنع تحوّله إلى استعلاء وعنصرية وتمييز.
لأن لحظة شعور الإنسان أنه أفضل جوهريًا من غيره
هي بداية الظلم.
كل طغيان في التاريخ
بدأ بفكرة واحدة:
نحن أرفع منهم.
--------------------------------------
ما معنى التقوى هنا؟
التقوى ليست مظهرًا دينيًا،
ولا كثرة شعائر،
ولا خطابًا أخلاقيًا مرتفع الصوت.
التقوى في جوهرها:
أن يكون الإنسان أقل ظلمًا حين يقدر،
وأكثر عدلًا حين يغضب،
وأصدق حين يستطيع الكذب،
وأرحم حين لا يُحاسَب.
هي علاقة خفية بين الإنسان وضميره
قبل أن تكون علاقة مع الناس.
ولهذا جعلها الله الميزان الوحيد،
لأن كل المقاييس الأخرى يمكن تزويرها.
--------------------------------------
لماذا يفسد المجتمع حين يضيع هذا الميزان؟
حين تُقاس القيمة بغير التقوى:
• يُقدَّم الصوت الأعلى لا الأصدق.
• يُكرَّم الغني لا الصالح.
• يُسمَع صاحب النفوذ لا صاحب الحق.
• تُختزل الكرامة في المظهر.
وهنا يبدأ الانهيار الصامت:
يفقد الإنسان شعوره بالعدل،
وتتحول الحياة إلى سباق إثبات لا سباق إصلاح.
--------------------------------------
أين نرى هذه السُّنّة اليوم؟نراها حين:
• يُحتقر الإنسان لفقره.
• يُقاس النجاح بالمظاهر.
• تُمنح الثقة للمكانة لا للأمانة.
• يصبح الظهور أهم من الاستقامة.
في مثل هذه البيئات
لا يختفي الخير…
بل يختبئ.
لأن الميزان اختل.
--------------------------------------
لماذا قال: عند الله؟
لأن المجتمع قد يخطئ التقييم،
والناس قد تنخدع بالمظاهر،
لكن القيمة الحقيقية لا تُحسم في أعين البشر.
هذه العبارة تحرّر الإنسان من:
• القلق الاجتماعي،
• والمقارنات المستمرة،
• والحاجة الدائمة لإثبات الذات.
قيمتك ليست فيما يراك الناس،
بل فيما يعلم الله منك.
--------------------------------------
رمضان وإعادة ضبط الميزان
في الصيام يسقط كثير من الفوارق:
لا يظهر المال،
ولا المنصب،
ولا الصورة الاجتماعية.
الجميع يجوع بالطريقة نفسها.
وكأن رمضان يذكّرنا كل عام:
أن القيمة الحقيقية
لا تُرى خارج الإنسان…
بل داخله.
--------------------------------------
خاتمة
﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾
ليست دعوة أخلاقية فقط،
بل سُنّة لحماية المجتمع من الاستعلاء والتمييز.
فحيث يُقاس الناس بأخلاقهم يستقر العدل،
وحيث تُقاس قيمتهم بغير ذلك
يبدأ الصراع ولو بدا كل شيء ناجحًا من الخارج.
القرآن لا يسوّي الناس في القدرات،
لكنه يساويهم في الكرامة،
ويجعل التفاضل الحقيقي
أمرًا لا يملكه إلا الضمير.
وهنا يبدأ الإصلاح الحقيقي..
حين يتغيّر الميزان قبل أن يتغيّر العالم.
والله من وراء القصد،،،
غدا نلتقي- إن شاء الله- في وقفة وآية أخرى
طابت أوقاتكم/ن وتقبل الله منكم/ن