انفصالات لمواجهة الانفصال
كانت الإمارات العربية المتحدة تتبنى مشروعًا انفصاليًا واحدًا في عموم الجنوب، يقوم على إنشاء كيان سياسي موحّد تحت مظلة واحدة. أما اليوم، فتبدو المملكة العربية السعودية وكأنها تميل إلى تبنّي مشاريع انفصالية متعددة داخل الجنوب، لإعادة توازنات الإدارة والسيطرة من خلال إعادة هندسة تشكيل الجغرافيا السياسية عبر تفتيتها إلى كيانات متنافسة ومتصادمة.
غير أن الإشكال الحقيقي لا يكمن فقط في اختلاف المقاربتين، بل في موقف ما تُسمّى بـالحكومة اليمنية "الشرعية" المعترف بها دوليًا، وتحديدًا بعض القيادات الشمالية داخلها، التي تُظهر – عن سذاجة أو تواطؤ – استعدادًا لدعم هذا المسار، انطلاقًا من اعتقادٍ مفاده أن تعدد المشاريع الانفصالية كفيل بإجهاض أي مشروع انفصالٍ موحّد.
لكن ما لم يُدركه هؤلاء أن العبث بالبنية الجغرافية والسياسية للجنوب لن يتوقف عند حدوده. فالتفتيت، إذا أُطلق من عقاله، لا يعترف بسقوفٍ جغرافية ولا باعتباراتٍ ظرفية. وما يبدأ كتكتيكٍ لإدارة أزمة، قد يتحول إلى ديناميكية تفككٍ شاملة تمتد شمالًا، بل وتتجاوز حدود اليمن نفسها.
فالتاريخ يُعلّمنا أن من يراهن على الانقسام كأداة ضبطٍ، غالبًا ما يصبح أول ضحاياه حين ينقلب السحر على الساحر. والمسألة ليست إن كان هذا السيناريو سيحدث، بل المسألة: متى؟ وكيف؟ وإلى أين؟