صنعاء 19C امطار خفيفة

وقفات رمضانية مع الآيات القرآنية(10)

سُنّة ضياع القوّة عند التنازع
قال تعالى:
﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾
— الأنفال: 46


--------------------------------------
لماذا لا تسقط الجماعات من الخارج أولًا؟
التاريخ يُظهر دائمًا وجهًا صاخبًا للسقوط:
عدوّ، حصار، أزمة، صدمة.
لكن القرآن يكشف السبب الأعمق:
السقوط يبدأ من الداخل.
ليس بنقص الموارد،
ولا بضعف العدد،
بل بلحظة يتحوّل فيها الخلاف
إلى تنازع.
--------------------------------------
ما الفرق بين الاختلاف والتنازع؟
الاختلاف طبيعي،
بل ضروري لثراء الرأي.
أما التنازع فهو:
•    صراع إرادات،
•    وتقديم الذات على الهدف،
•    وتحوّل الرأي إلى هوية مغلقة،
•    والبحث عن الغلبة لا الحقيقة.
حين ينتقل النقاش من "ما الصواب؟"
إلى "من ينتصر؟"
تبدأ الريح في الانطفاء.
--------------------------------------
ماذا يعني: فتفشلوا؟
الفشل هنا ليس هزيمة عسكرية فقط،
بل حالة نفسية وجماعية:
•    ارتباك القرار،
•    تضارب الأولويات،
•    فقدان الثقة،
•    شلل المبادرة.
قد يبقى كل شيء ظاهرًا كما هو،
لكن القدرة على الفعل تتآكل.
الفشل يبدأ من داخل الروح الجماعية
قبل أن يظهر في النتائج.
--------------------------------------
ولماذا قال: وتذهب ريحكم؟
الريح في لغة العرب رمز:
•    للقوة،
•    والهيبة،
•    والتأثير.
ذهاب الريح لا يعني فقط الضعف،
بل فقدان التأثير في الآخرين.
تصبح الجماعة:
•    كثيرة العدد قليلة الأثر،
•    حاضرة صوتيًا غائبة فعليًا،
•    منشغلة بنفسها أكثر من رسالتها.
وهذا أخطر أنواع الخسارة.
--------------------------------------
لماذا يقود التنازع إلى هذه النتيجة حتميًا؟
لأن الطاقة تُستهلك داخليًا.
بدل أن تُصرف الجهود في البناء،
تُصرف في:
•    الردود،
•    الاتهامات،
•    تصفية الحسابات،
•    تثبيت المواقع.
وحين تُستنزف الطاقة في الداخل،
لا يبقى شيء يُواجَه به الخارج.
هذه ليست موعظة…
بل قانون عمل اجتماعي.
--------------------------------------
أين نرى هذه السُّنّة اليوم؟
نراها حين:
•    تنهار مشاريع عظيمة بسبب صراعات صغيرة،
•    تنقسم المبادرات على تفاصيل،
•    يتحول الخلاف الإداري إلى قطيعة،
•    يصبح إثبات الخطأ أهم من إنجاح العمل.
في كل مرة يحدث ذلك،
تبدأ الريح في الذهاب،
حتى لو لم ينتبه أحد.
--------------------------------------
ما العلاج القرآني؟
الآية نفسها جاءت في سياق أوسع:
الطاعة، الصبر، ضبط النفس.
أي أن وحدة الصف لا تُبنى بالعاطفة،
بل بـ:
•    وضوح الهدف،
•    تقديم المصلحة العامة،
•    ضبط الأنا،
•    واحترام الاختلاف دون تحويله إلى صراع.
الوحدة ليست إلغاء التنوّع،
بل إدارة الاختلاف بحكمة.
--------------------------------------
رمضان وإعادة ترتيب الأولويات
رمضان يجمع المختلفين على:
•    وقت واحد،
•    قبلة واحدة،
•    إيقاع واحد.
رغم تباين طباعهم وآرائهم.
كأن الصيام يدرّبنا عمليًا على:
أن الهدف أكبر من الأنا.
--------------------------------------
خاتمة
﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا﴾
ليست تحذيرًا عابرًا،
بل سُنّة لا تتخلّف.
حين تتقدّم الأنا على الرسالة
تتراجع الريح.
وحين يُحفظ الهدف من الصراعات الصغيرة
تستمر القوة ولو قلّ العدد.
القوة لا تُسلب فجأة…
بل تذوب تدريجيًا
حين ننسى أن الخلاف إذا لم يُحسن إدارته
تحوّل إلى معول هدم.
وهنا يبدأ الفشل.
والله من وراء القصد،،،
غدا نلتقي- إن شاء الله- في وقفة وآية أخرى
طابت أوقاتكم/ن وتقبل الله منكم/ن

الكلمات الدلالية