صنعاء 19C امطار خفيفة

منطق الانعزالي: أعطوني وطن صغير أتحكم فيه

الشعار الذي رُفع في المظاهرات الأخيرة أمام المعاشيق في عدن «لا نريد خدمات، نريد وطن» يكشف جوهر المشروع الانفصالي أكثر مما يخفيه. فالوطن، بالمفهوم الذي يطرحه هؤلاء، ليس إطارًا جامعًا للمواطنة، بل أرضًا وسكانًا يُراد احتكار التسلط عليهم والسيطرة على مقدراتهم.


هذه، في جوهرها، هي حقيقة ما يُسمّى بالقضية الجنوبية. فالأقلية التي كانت تتسلط على المحافظات الجنوبية قبل الوحدة، وفقدت سلطتها بالكامل بعد حرب 1994، كرّست جهودها منذ ذلك الحين، وبدعم من أطراف خارجية، لتدمير الجمهورية اليمنية سعيًا لاستعادة السيطرة والانفراد بالحكم في المحافظات الجنوبية.
وقد صاغت هذه الأقلية، عبر الحزب الاشتراكي، مفردة سياسية لهذه الرغبة أطلقت عليها اسم «القضية الجنوبية». ثم جرى تغليفها بمظلومية مزعومة، وتحميل الجمهورية اليمنية كل المشكلات الطبيعية التي تواجه أي دولة، عبر سردية تُشيطن دولة الوحدة في أوساط أبناء المحافظات الجنوبية، وتُحمّلها مسؤولية الفساد وسوء الإدارة والبطالة والتضخم والفقر ونقص الخدمات وانتشار المخدرات، بل وحتى تلوث البيئة وانتشار الجن، كما عبّر أحد المشعوذين. وهكذا صيغت معادلة مبسطة تُقال للناس كلما اشتكوا من أي مشكلة، حتى لو كانت خلافًا أسريًا أو مرضًا: السبب هو الوحدة، والحل هو الانفصال.
هذه الشيطنة الممنهجة لدولة الوحدة تخفي هدفًا واضحًا، هو رغبة الأقلية التي كانت تحكم الجنوب في العودة إلى السلطة، وابتزاز الداخل اليمني للحصول على مناصب لا تستحقها، والارتزاق من الخارج والارتهان له، وهو ما تجلّى بوضوح بعد حرب 2015.
تنتمي هذه الأقلية إلى أعضاء في الحزب الاشتراكي من المحافظات الجنوبية ومن المحافظات الشمالية، سعوا بكل الوسائل إلى استعادة الكيان الذي كان يمنحهم الامتيازات التي فقدوها، ليعودوا إلى حكمه من جديد. وإلى جانبهم، تضم هذه الفئة من كان يسيطر على المؤسسات الخشنة والمراكز الحساسة في الدولة قبل الوحدة وقبل حرب 1994، وغالبيتهم من منطقة ما يُعرف بـ«المثلث» (يافع – الضالع – ردفان). فقد صادرت الوحدة ثم حرب 1994 نفوذهم وامتيازاتهم، وأصبحت عودة الدولة المنشودة بالنسبة لهم تعني استعادة تلك المنافع.
وبعد حرب 2015، وبدعم خارجي مباشر، حصلوا بالفعل على سلطة فعلية على الأرض، وأصبحوا حكامًا فعليين لبعض المحافظات، وعلى رأسها عدن. ومنذ ذلك الحين مارسوا هيمنة فجة، وذاقوا حلاوة السلطة؛ فتدفقت عليهم الأموال من الخارج والداخل، والسلاح، والامتيازات، والسفريات. وحصل زعماؤهم على قصور في الداخل والخارج، وأسكنوا أسرهم فيها بعيدًا عن حياة البؤس التي يعيشها عامة الناس.
في المحصلة، عاشوا حياة ترف كاملة، وكان ذلك على حساب السكان العاديين في المحافظات الجنوبية، حيث تراجعت مستويات الدخل لدى أغلبيتهم، وتدهورت الخدمات، وتقلصت وظائف الدولة. ثم سعوا إلى تعميم هذه الهيمنة على بقية المحافظات الجنوبية، فاندفعوا نحو حضرموت والمهرة طمعًا في استكمال السيطرة والاستحواذ على ثروات تلك المناطق.
واليوم، بعد أن أُزيحوا فعليًا من بعض المحافظات، وبدأ نفوذهم يتقلص في أخرى، يعودون عبر المظاهرات والاحتجاجات رافعين شعار «لا نريد خدمات، نريد وطن». والوطن الذي يريدونه واضح: أرض يسيطرون عليها وينتفعون بثرواتها، يبيعونها أو يؤجرونها للطامع الأجنبي مقابل الدعم والحماية، وسكان يتسلطون عليهم ويذلونهم. وقد مارسوا بالفعل نماذج من ذلك قبل أن يبلغوا مرحلة الدولة كاملة السيادة، ولو بلغوها لمارسوا القمع والإرهاب مثلما مارسه آباؤهم وأجدادهم في فترة ما كان يُعرف بجمهورية اليمن الديمقراطية.
ومن هنا، على سكان المحافظات الجنوبية وغير الجنوبية أن يدركوا أن من يطالب بـ«وطن صغير» يسلخه من الجمهورية اليمنية إنما يطالب بمساحة ضيقة يستطيع أن يتسلط فيها، لأنه يدرك عجزه عن حكم اليمن الكبير. كما أن الأوطان الصغيرة يسهل بيعها أو تأجيرها للطامع الأجنبي بثمن بخس مقابل الحماية والأموال.
لذلك أقول لإخواننا من أبناء المحافظات الجنوبية: تمسكوا أكثر من غيركم بالوطن الكبير، الجمهورية اليمنية، فهو وحده القادر على منحكم الدولة ومؤسساتها، والسيادة، والكرامة، والحرية، والحقوق والخدمات.
تذكروا ما قبل تفكيك الجمهورية اليمنية؛ فمع كل مساوئ نظام علي عبد الله صالح، كانت هناك مؤسسات، وكان الناس قادرين على الاحتجاج ضد أي مظالم، وكانت مساحة الجمهورية مفتوحة للجميع. كما أن الفساد، رغم وجوده، لم يكن بالصورة التي تفاقمت بعد تفكك الدولة وسيطرة المطالبين بالأوطان الصغيرة. والأهم من ذلك كان هناك سيادة، وإن كانت منقوصة، ولم يكن ضابط أجنبي يتحكم مباشرة بمصير الناس.
أما بعد أن سيطر أصحاب «الأوطان الصغيرة» على أجزاء من البلاد، فقد تراجعت مؤشرات التنمية والحقوق والحريات، وتلاشى الأمل في التحسن. والأخطر أن الدولة كمؤسسة غابت، وحلّت محلها عصابات وميليشيات؛ كل منطقة يحكمها أمير حرب وجماعته. وهو وضع غير قابل للإصلاح، بل مرشح لمزيد من التدهور.
بينما كانت الدولة، رغم هشاشتها، قابلة للإصلاح، وكان بالإمكان تغيير حكامها، كما حدث بإزاحة علي عبد الله صالح والإتيان برئيس من المحافظات الجنوبية. ولو نجحت عملية التغيير، لكانت اليمن اليوم في وضع أفضل بكثير مما آلت إليه.
لهذا فإن سكان المحافظات الجنوبية هم الأكثر احتياجًا للدولة، وعليهم أن يدركوا أن ما يُسمّى بالقضية الجنوبية ليس في حقيقته سوى تسليم رقابهم ومصيرهم وحياتهم لهذه الفئة لتتحكم بهم وتتصرف فيهم. وهذه هي حقيقة القضية الجنوبية دون كلام فارغ عن مظلومية مزعومة.

الكلمات الدلالية