القرامطة.. المغامرة التي اقتلعت حجر الزاوية
عندما كانت الخلافة العباسية تبدو واسعة كسماء، كانت فكرة صغيرة تتحرك تحت السطح كنبض في جسد مثقل بالتراتبية. فلاح يتحدث عن العدل كأنه محصول يمكن تعميمه. حمدان قرمط يمشي في الرواية كعلامة على مزاج جمعي أكثر منه سيرة فرد، داعية يعمل في أفق انتظار مهدوي كانت الدعوة الإسماعيلية تبشر به. حول الفكرة تتقارب وجوه متعبة من تفاوت الخبز والقدر، وتتشكل حلقة ترى الزمن قريب الانقلاب.
القرامطة، الاسم الذي علق بها بدا كإشارة جانبية في كتب الفرق ثم تمدد حتى صار عنوان تجربة كاملة. جماعة خرجت من الظل واختارت أن تسير أبعد كأنها تختبر المسافة بين العقيدة حين تُقال والعقيدة حين تُعاش. في تصورهم الباطني للنص ظاهر وباطن، ومعرفة التأويل تمنح الباطن وزناً قد يعلو على ظاهر الشعائر. الزمن عندهم دورات يقودها أنبياء وأوصياء حيث يختلط النفس الغنوصي بأصداء الفلسفة المتأخرة والتيارات المانوية في تقاطعات فكرية تتقاطع مع أفق رسائل إخوان الصفا لكنها تنفرد عنها بحدة التجربة على الأرض.
في شرق الجزيرة حول البحرين والأحساء حيث الضوء حاد كحدس بدوي وجدت الفكرة تربة قابلة للإنبات. بدت التجربة كقرية تفكر بصوت عالٍ في صورتها التي رأت نفسها بها أو أرادت أن تُرى. نزعة مساواتية قوية تعيد توزيع الثروة والسلطة داخل الجماعة، والعدل يغدو ممارسة يومية قبل أن يصير شعاراً. البيوت تتجاور كما تتجاور النيات، والحقول تُقرأ كجملة مشتركة، والناس يمشون في ظل فكرة واحدة كأنها نخلة طويلة. السلطة تمر بينهم خفيفة كوظيفة مؤقتة. الجماعة تبدو ككائن واحد يتنفس عبر أفواه متعددة. هكذا أحبوا أن يروا أنفسهم، وهكذا أقلقوا الآخرين، فيما كان واقعهم يحمل أيضاً صرامة عسكرية ونظام جباية يساند بقاء التجربة.
تحت قيادة أبي سعيد الجنّابي أخذت الجماعة شكلها السياسي، واتسعت المسافة بينها وبين المراكز الكبرى. صارت الفكرة دولة تعرف حجمها وتضخم أثرها. العباسيون يرونها شقاً خارج النسق، والفاطميون يلمحون فيها قرابة إسماعيلية متمردة انفصلت مبكراً عن دعوة عبيد الله المهدي ورفضت الاندراج في سلطانه، والعالم الأوسع يتابع ظاهرة تتحرك بثقة من دون أن تشرح نفسها كثيراً، جماعة تعيش المساواة كروتين يومي وتشن الغارات كأنها تعيد توزيع الهيبة أيضاً.
في هذا الفراغ بين التعريفات بنت القرامطة حضورها كقوة صغيرة عالية التركيز، تعرف أن القلة المنظمة قادرة على تعديل موازين تبدو راسخة. ثم جاء المشهد الذي ظل يتردد طويلاً في الذاكرة الإسلامية، دخول مكة في موسم مشحون بالقداسة واقتلاع الحجر الأسود من موضعه وحمله إلى الأحساء. كأن الجماعة أرادت القول إن الرموز الكبرى قابلة للنقل حين تتبدل موازين المعنى. عاد الحجر بعد نحو عقدين وبقي الأثر كجرح مفتوح في علاقة المقدس بالقوة. قراءة سهلة ترى في القرامطة تمرداً اجتماعياً مسلحاً، وقراءة متعجلة تراهم حلماً للمساواة خرج إلى العلن بقسوة. بين هاتين الصورتين تمتد منطقة أوسع حيث تبدو التجربة محاولة لإعادة صياغة الجماعة المؤمنة خارج القوالب المستقرة.
مع مرور العقود أخذت التجربة تتآكل بهدوء، كأنها استنفدت شحنتها الأولى. الضغوط العباسية تتزايد والتحولات الداخلية تترك شقوقاً دقيقة في البنية، والعالم من حولهم يعيد ترتيب نفسه في خرائط أكثر صلابة. تراجع القرامطة وبقيت صورتهم معلقة بين دهشة قديمة وسرديات متعارضة. جماعة عاشت زمناً وهي تحاول أن تجعل المساواة نظاماً يومياً لا شعاراً مرتفعاً ولذلك مرّوا في التاريخ كأثر مائل قليلاً عن الخط العام، تجربة لمعت ثم خفتت. فكرة جُرّبت على الأرض ثم عادت إلى طبقات الذاكرة حيث تبقى الأحلام التي تريد إعادة ترتيب العالم أكثر هشاشة وأكثر إثارة للتأمل.