الخميس 30 أبريل 2026

إخوان الصفا.. عقول آثرت الظل

لو كان للفلسفة وجه خفي لكانت رسائل إخوان الصفا هي هذا الوجه. جماعة اختارت أن تكون ظلاً طويلاً في تاريخ الفكر، تركوا خلفهم اثنتين وخمسين رسالة تشمل كل ما عرفته البشرية من فلك وموسيقى وتنجيم، ثم انصرفوا كمن وضع قنبلة موقوتة في مكتبة وهرب، قائلين للعالم: خذوا هذا الضجيج واتركونا وشأننا.

في البصرة، حيث كل شيء يبدأ من رأس وينتهي في مستنقع، ظهرت قبل ألف عام جماعة لا تُعرف أسماؤها ولا عددها ولا شكلها. سمّوا أنفسهم "إخوان الصفا وخلان الوفا"، وكأنهم نادٍ سري أو جمعية لتزويج الأرامل. كتبوا رسائل، جميعها تبدأ بالبسملة وتنتهي بنقطة لا أحد يعرف إلى أين تذهب بعدها.

صورة تخيلية لإخوان الصفا تحاكي الفن الاستشراقي

بينما كان الفقهاء يتجادلون حول طول اللحية أو المسافة الشرعية بين المصلين، كان إخوان الصفا يفككون شفرة الوجود عبر الرقم أربعة، ويحولون الجنة من أنهار مادية إلى معرفة محضة. كأنهم كانوا يكتبون لأنفسهم في غرفة مغلقة، بينما العالم في الخارج يغلي في مراجل التكفير. لم يوقعوا أسماءهم، ولم يطلبوا أجراً، ولم يؤسسوا مدرسة. كأنهم كانوا يكتبون لأنفسهم ثم ماتوا، ثم وجدت كتبهم طريقها إلى الناس بالصدفة، حين اشتراها أحدهم بثلاثة دراهم ليرفع بها طاولة كانت تصرّ في الليل.

اختلفت المصادر فيهم، قال بعضها إنهم كانوا من الشيعة الإسماعيلية، وبعضها قال إنهم من المعتزلة، وبعضها قال إنهم من الصابئة أو من الفلاسفة الفرس الذين هربوا من المجوسية إلى الفلسفة. بعضها يقول إنهم مجموعة من العلماء اجتمعوا في البصرة ليصنعوا موسوعة، وبعضها يقول إنهم تنظيم سري أراد هدم الإسلام من الداخل. كفّرهم ابن الجوزي وقال إنهم باطنية زنادقة، وقال ابن تيمية إن رسائلهم فيها كفر وضلال. والإخوان أنفسهم لو كانوا أحياء لضحكوا على الجميع، لأنهم لم يريدوا أن يعرفهم أحد أصلاً.

كتاب رسائل  اخوان الصفا وخلان الوفا

الرسائل الاثنتان والخمسون تشبه خزانة مهملة جمعت كل شيء. فيها إقليدس وبطليموس وأفلاطون وأرسطو. فيها تفسير للقرآن يحوّل النص من قانون جامد إلى رموز باطنية، حيث تصبح الفرائض إشارات لرحلة الروح، وهو ما جعل خصومهم يتهمونهم بأن هذا التأويل ليس إلا غطاء لنسف المحرمات، بينما هم يرونه ارتقاء فوق المعنى الحرفي الذي يكتفي به العوام.

الرسالة الأهم في المجموعة هي التي تشرح مذهبهم في الدين. يقولون إن الشريعة لها ظاهر وباطن، وإن الظاهر للمبتدئين والباطن للخواص، وإن العبادات رموز تشير إلى حقائق روحية، وإن الجنة معرفة والنار جهل. كأنهم قرأوا كتب الغلاة الإسماعيلية ثم أضافوا إليها فصولاً من أرسطو ليصدّقوا على أنفسهم. الصلاة عندهم إشارة إلى معرفة الله، والزكاة تطهير للنفس، والصوم كفّ عن الشهوات، والحج سفر الروح. أفكار لطيفة، لكن الفقيه الذي يعيش على تفاصيل الوضوء لا يطيقها.

انتشرت الرسائل في العالم الإسلامي كالنار في الهشيم، أو كالبرد في الصيف، كلٌّ حسب مزاجه. اختلف العلماء فيها، واستعار الفلاسفة منها، وتغنّى بها الصوفية، واتهمها الجهلة بالسحر. يقولون إن إخوان الصفا قصدوا من رسائلهم تعليم الناس الفلسفة بطريقة سهلة، وإنهم نجحوا في ذلك، لأن الرسائل كُتبت بأسلوب بسيط مفهوم.

سافرت رسائلهم عبر الزمن كعدوى محببة. قرأها ابن مسرة في الأندلس ليبني عليها فلسفته، بينما في المشرق لم يجد الغزالي حرجاً في أن يتهمهم بالزندقة نهاراً ويستعير من أفكارهم ليلاً. لتستقر الرحلة في مصر والشام مرجعاً للموحدين الدروز، الذين لا يعرفون هم أيضاً من أين أتوا ولا إلى أين يذهبون. صنعوا سُمّاً نافعاً، من تناوله بجرعة صغيرة شُفي، ومن تناوله بجرعة كبيرة مات، ومن تناوله بجرعة متوسطة صار فيلسوفاً لا يستطيع أن يشرح لأهله لماذا لم يشترِ الخبز. والرسائل نفسها لم تتغير، الذي تغير هو القارئ.

مخطوطة قديمة لكتاب رسائل اخوان الصفا وخلان الوفا

لماذا اختبأ إخوان الصفا بهذا الشكل، ولماذا لم يكتبوا أسماءهم على رسائلهم؟ الجواب عند بعض الباحثين أنهم كانوا يخافون من السلطة، وعند بعضهم أنهم كانوا يخافون من الفقهاء، وعند آخرين أنهم كانوا يخافون من أنفسهم. والبعض قال إنهم كانوا مجرد مجموعة من الأغنياء الملولين الذين أرادوا قضاء وقت فراغهم في شيء مفيد، فكتبوا هذه الرسائل. أخطر ما يمكن أن يفعله فيلسوف في القرن الرابع الهجري أن يعلن أن للدين باطناً، لأن الفقهاء سيكفّرونه والسلطان سيصلبه. لذلك فضّلوا البقاء في الظل، يكتبون ويموتون، ويتركون رسائلهم تبحث عن قارئ شجاع، أو عن قارئ أعمى لا يرى ما فيها من كفر.

ربما لم يكن اختفاؤهم خوفاً فقط، بل كان رغبة في أن تذوب الذات في المعرفة، ليكونوا نموذجاً للمثقف الشامل الذي يتقن كل شيء دون أن يمتلك شيئاً، تاركين خلفهم نصاً يبحث عن قارئ يمتلك شجاعة النظر إلى الشمس دون أن يرمش.

إخوان الصفا اليوم انتهوا كجماعة، وبقوا عنواناً لطريقة في التفكير. يقرأهم الصوفية في زواياهم، والفلاسفة في جامعاتهم، والمتشككون في خلواتهم. يقولون إن رسائلهم تحتوي على مفاتيح الكون، وآخرون يقولون إنها مجرد هراء منظّم. كلاهما على حق، لأن الفلسفة لا تدّعي أنها تملك الحقيقة، بل تدّعي أنها تبحث عنها. والإخوان بحثوا عنها، فوجدوا أنفسهم أمام سؤال: لماذا كل هذا الغموض، ولماذا كل هذا الخوف؟

في البصرة اليوم لا أحد يذكر إخوان الصفا. ذهبت الجماعة كما ذهبت أشجار النخيل التي كانت تظلّهم، وبقيت الرسائل تتنقل من يد إلى يد، ومن جيل إلى جيل. لا أحد يعرف إن كان مؤسسوها سيرضون بما فعلوا، أم أنهم يندمون على أنهم لم يوقّعوا بأسمائهم. في الحالتين نجحوا في شيء واحد: أن يجعلوا الناس يتحدثون عنهم ألف عام دون أن يعرفوا من هم. هذا إنجاز لا يحققه إلا الأذكياء أو المجانين.