صنعاء 19C امطار خفيفة

غياب الحرية في اليمن وخنق أصوات النقاد والمعارضين(6-14)

السلطات التي تخنق أصوات النقاد، ويضيق صدرها بصوت المعارضة، هي السلطات الديكتاتورية المستبدة، والسلطات الفاسدة الهشة.

وفي هذا المعنى يقول المفكر العربي عبد الرحمن الكواكبي: "السلطة التي لا تقبل النقد هي سلطة ضعيفة". وهذا يعني أن السلطات التي ترفض النقد هي في الواقع سلطة تفتقر إلى الثقة بالنفس، وتخشى من مواجهة الشعب بحقائق مسلكها المخزي الآثم.

متى سيعي العابثون بالوطن في شماله وجنوبه أن النقد البناء مفيد جداً للسلطة نفسها، وللمجتمع أيضاً؛ لأنه يساعدها في تصحيح الأخطاء، وتحسين الأداء، وتعزيز الشفافية؟

وإلى متى ستظل الميليشيات الانقلابية حاقدة على الشعب، مصممة على تجويعه وإذلاله؟!

وإلى متى ستظل ترى، ومعها حكومة المعاشيق، المعارضين والنقاد أعداءً؟!

يجب عليها أن تعكس نظرتها القاصرة والخاطئة نحو الشعب بصفة عامة، ونحو النقاد والمعارضة بصفة خاصة، وأن تعي بأن إصرارها على ألا تسمع إلا نفسها، ورفض سماع المعارضة والنقد، ضعفٌ وليس قوة كما يُخيَّل لها، وأن ثقة الشعب في السلطة الحاكمة مصدر قوي لتحديد مكانتها المحلية والدولية، وأن ترى المعارضة والنقاد شركاء معها في البناء والتطوير؛ هذا هو المفترض.

لكن دأب السلطة في عموم يمننا المنكوب كله جارٍ على النقيض تماماً من هذا المفهوم الوطني الراقي؛ لأن بعض القائمين عليها دون مستوى القدرة على الاعتزاز بالوطن والإعلاء من كرامة المواطنين، وهذا راجع إلى خسة في طباعهم، وعدم ثقتهم في شرعية وجودهم، وفي وقوف الشعب في صفهم. وهنا يتعين على الشعب اليمني أن يطالب بحقوقه وبلقمة عيشه، ويدافع عنها دون ملل أو كلل، وأن يدعم المعارضة والنقاد الذين يعطون الأولوية لتوفير كسرة الخبز لأبناء الشعب اليمني المنهك بتجويع متعمد مبالغ فيه، ويرون في إجراء الحوار مخرجاً آمناً لإنهاء الصراع في البلاد، ويؤمنون بأهمية النهج الديمقراطي.

وأن يثقوا أن السلطات الفاسدة والهشة التي تستقوي عليهم بالغلبة وقوة السلاح هي العدو الحقيقي لهم، بما سببته وتسببه من جهل وفقر ومرض وجوع وتكميم أفواه؛ هي السلطة وليس غيرها التي دأبها أن تقمع أصوات الحق، أو أن تشتري السكوت من ضعاف الخلق شعوراً بأوجاع الوطن. وهي التي تتعمد اللامبالاة بجوع الناس، وهي تأكل البسكويت... دأبها أن تتعامل مع المعارضة والنقد بالقوة والعنف؛ لأنها تخشى أن يكشف النقد عن هشاشتها، وتفضح المعارضة سوءاتها وعدم قدرتها على حل المشاكل التي يثيرها النقاد وتبرزها المعارضة، فتخاف حينئذٍ أن تفقد سيطرتها على الوضع، مما يضر بسمعتها ومصداقيتها، ويؤثر سلباً على زيادة انعدام ثقة الشعب فيها، مما قد يؤدي إلى فضحها وفضح قيادتها، وإحداث تغييرات جذرية في هرم مكونها، أو حتى إلى ثورات شعبية، مما يهدد مصالح كبار الفاسدين فيها والمستبدين في هذه الأنظمة (العصابات) التي لا تعي أن استعادة اليمن الكبير تبدأ من احترامها لحقوق الإنسان، وكفالة الحياة الكريمة للشعب، واستعادة مفهوم الهوية اليمنية، وروح الوطنية الأخلاقية اللتين تخلقان التسامح مع المعارضة، والاحترام للنقد البناء، وتوجبان سماع النقد وعدم الضيق بالمعارضة، وتجعلان "من التنازل بسماع النقد نصراً للذات الجماعية، ومن الاختلاف سبيلاً للتكامل والتعاون، ولا مبرر قطعاً للقطيعة والصراع".

لو أن السلطات كانت تعي هذا المعنى لما وصلنا إلى ما وصلنا إليه اليوم، ولو أنها اليوم، ومعها قادة الميليشيات كلها في طول اليمن وعرضه، تدرك عمق خطر الوضع الراهن، وأنهم كلهم ومعهم كل أبناء الوطن في سفينة واحدة، وأن هذه السفينة مثقوبة بفعل حماقة الساسة في الحكومة، والميليشيات المسلحة المستقوية على الشعب بالغلبة والعنف وقوة السلاح، وأنه لن ينجو أحد من الغرق بمفرده مهما بلغت إمكاناته التي يغتر بها، لفهمت أن إنهاء الحروب واللجوء إلى الحوار ضرورة حياتية عاجلة، لا ترفاً باذخاً لن يدوم. !

الكلمات الدلالية