ميناء عدن للحاويات وأهميته الاقتصادية
قاد القبطان البريطاني ستافورد هينس (Stafford Haines)، حملة عسكرية تابعة لشركة الهند الشرقية البريطانية، إلى مدينة عدن، وسيطر عليها في 19 يناير 1839م، متخذًا من حادثة الاعتداء على السفينة "داريا دولت" ذريعة لتنفيذ الاحتلال، والهدف هو تحويل عدن إلى قاعدة عسكرية وتجارية لحماية مصالح بريطانيا في البحر الأحمر والمحيط الهندي. وفي عام 1850م، تم تأسيس "ميناء التواهي" وتصنيفه كمنطقة حرة.
يعد ميناء عدن من أكبر الموانئ الطبيعية في العالم، بل أهمها عالميًا واستراتيجيًا، إذ رسخ مكانة عدن كمركز تجاري بين ثلاث قارات، وبخاصة بعد افتتاح حاكم مصر الخديوي إسماعيل قناة السويس في 17 نوفمبر 1868م، مما أحدث ثورة في التجارة العالمية.
وتم تصنيف ميناء عدن في المرتبة الثانية عالميًا بعد ميناء نيويورك لتزويد السفن بالوقود والخدمات في خمسينيات القرن العشرين.
وبناء عليه، تم تحديد ميناء عدن كمركز رئيس ووسيط عالمي للحاويات في العالم، بعد استعراض جميع موانئ المنطقة، لما ينعم به من مزايا استراتيجية، وقدرة استيعابية لاستقبال السفن، وكوادر إدارية وفنية متمرسة، ناهيك عن اختصار خطوط سير الناقلات النفطية والتجارية العالمية، وتوفير الأموال على الشركات الملاحية.
ومنذ منتصف التسعينيات، تم إنشاء محطة المعلا، وبدء أعمال إنشاء محطة كالتكس للحاويات (1997-1998م). وفي مارس 1999م، افتتح الميناء رسميًا للتشغيل الفعلي لمحطة عدن للحاويات، تمكينًا لقدرة الميناء على استيعاب السفن العملاقة ومناولة الحاويات.
ولعوامل الفساد المستشري في البلاد، أبرمت اتفاقية تأجير ميناء عدن لشركة موانئ دبي العالمية للحاويات، عام 2008م، لمدة 25 عامًا، بهدف تطوير الأرصفة، وتحديث أنظمة التشغيل لاستقبال السفن العملاقة، مما يعيد للميناء دوره المحوري في الملاحة الدولية، وهي الاتفاقية التي أثارت جدلًا منذ توقيعها. وكانت النتيجة مخيبة للآمال، للأسباب الآتية:
وفقًا لتقارير اقتصادية، تم تعطيل ميناء عدن منذ البداية، كونه يشكل منافسًا جغرافيًا خطيرًا لميناء دبي (جبل علي)، إذ عملت الشركة على تقليص نشاطه، وإبطاء وتيرة تطويره لتحويله إلى ميناء هش لصالح ميناء دبي، مما أدى إلى انخفاض كفاءته التشغيلية وخسارة مليارات الدولارات على الاقتصاد اليمني نظرًا لتبعات الفساد الذي انتهجه المسؤولون في توقيع العقود عمومًا، وإجهاض أي مشروع استثماري تجاري واقتصادي دولي لصالح البلاد.
ما زاد الطين بلة، تعرضت البلاد إبان ثورة الربيع العربي 2011م إلى حالة عدم استقرار، أسهمت أيضًا في تخفيض تشغيل ميناء الحاويات المتزامن مع النزاع القضائي حول عدم التزام الشركة في تنفيذ العقد خلال الثلاثة الأعوام السابقة، مما أدى بدوره إلى إلغاء العقد عام 2012م، بتوجيهات من الرئيس السابق عبد ربه منصور هادي، والتعاقد مع "شركة تشاينا هاربر للهندسة" (China Harbour Engineering
Company)، في 26 ديسمبر 2012م. وقد ساد بعدئذ حالة عدم استقرار، وتوقف عمل الشركة.
وتفعيلًا للاتفاق السابق، تم التوصل مؤخرًا إلى اتفاق دولي استراتيجي مع الشركة "تشاينا ميرشانتس الصينية" ( CHINA MERCHANTS)، لإعادة تأهيل وتشغيل ميناء عدن، وبرعاية مباشرة من المملكة العربية السعودية والمملكة المتحدة (بريطانيا)، في إطار شراكة دولية استراتيجية، لإعادة تنشيط الاقتصاد الوطني، واستعادة الدور الاستراتيجي للعاصمة المؤقتة عدن. وتهدف الاتفاقية إلى تطوير الأرصفة، وتعميق القنوات الملاحية، وتحديث أنظمة التشغيل لاستقبال السفن العملاقة، وتعزيز قدرته التنافسية كمركز لوجيستي عالمي، مما يعيد للميناء حيويته التاريخية ودوره المحوري، وبتمويل وتطوير محطة الحاويات بقيمة تتجاوز 500 مليون دولار، ومن المتوقع بدء تنفيذ الاتفاق في مارس 2026م.
يأتي هذا الحراك الجديد لتفعيل المنطقة الحرة بعدن، وتأمين الممرات المائية، ناهيك عن رفع الإيرادات، وإعادة الإعمار، وانتشال اليمن من وضعه الاقتصادي الحرج.
في سياق متصل، يتطلع اليمنيون في هذا الظرف العصيب إلى إيلاء أهمية واهتمام لتحسين الظروف المعيشية، والخدمية، ومواجهة الإخلالات الأمنية، لينعم اليمن بالامن والأمان والاستقرار.
حقًا، إن الجهود الطيبة المبذولة والمساندة لليمن في هذا الوقت العصيب، من قبل الأشقاء في السعودية، من شأنها تعزيز العلاقات الثنائية قدمًا بين الجارين الشقيقين. وليعلم الجميع أن الجار للجار عضيد. والله ولي التوفيق.
