أبعاد استراتيجية
مع إطلالة شهر الكرامات، شهر رمضان المبارك، أتحفتنا صحيفة الأيام الغرّاء بعقد ندوة علمية حول المآثر التي أنتجها الجهد المثمر لمعهد سعيد حنابة للأبحاث والدراسات الاستراتيجية. وضمن رؤية علمية ثاقبة، خاضت دروبًا شائكة بحثًا عن حقائق التاريخ، ليتمكن القارئ الكريم من بناء معارفه الفكرية وجدليات السياسة من مصادر علمية موثوقة.
وقبل الخوض في مسميات المواضيع التي لامسها المعهد بطريقة علمية، أود الإشارة إلى معلومة مهمة تتعلق بتوضيح أن الاسم الحقيقي للمعهد كان "معهد سعيد شقابة"، لكن المؤتمر الخامس عشر للمعهد، المنعقد أواخر الثمانينيات، أقرّ التسمية الجديدة: "معهد سعيد حنابة للأبحاث والدراسات الاستراتيجية".
كانت باكورة أبحاثه العلمية في مجالي الطب والاقتصاد السياسي. ففي مجال الطب، ركزت أبحاثه المبكرة على ظاهرة "الصرع السياسي" وليس "الصراع". وفي مجال الاقتصاد، ركزت أبحاثه على حركية رأس المال وفقه الرأسمالية من ناحية شيطانية. ومن هنا أتت مساهمة ندوة الأيام، مع بداية شهر رمضان الكريم، لتكشف للقارئ عمق وعناوين الدراسات التي أنجزها المعهد، والتي أضيف إليها في مقالتي هذه إنجازات المعهد الاقتصادية والسياسية، حين تناول بالبحث والتقييم نظريات الحاجة والندرة ومفاعيل قوانين الاقتصاد الكلاسيكي التي صاغها كلٌّ من آدم سميث وديفيد ريكاردو، ومدى التباين والاتفاق مع نظريات رأس المال عند كارل ماركس.
ولم ينسَ المعهد أهمية دراسة كومونة باريس وعولمة ريغان ـ تاتشر. وقد بذل المعهد جهودًا علمية رأت صحيفة الأيام إعادة نشرها للقراء، خاصة أبحاثه المتأخرة جدًا، والتي أثبتت قدراته العلمية على متابعة المستجدات.
ومن هنا تأتي أهمية دراسته التحليلية النقدية لفضائح العاهر إبستين الليكودي الصهيوني، الذي عرّى الكثيرين، من أول الأمير أندرو، ولي العهد البريطاني، إلى ذاك الذي أراد أن يحوّل أغصان القات إلى مستخلص مشروب لا يمسه إلا فاتحو حسابات لدى الاحتياطي الأمريكي.
وتنعقد هذه الأيام ندوات علمية عن تاريخية معهد سعيد حنابة، وبلادنا تمر بمفترق طرق. فهل ستتمكن أبحاث المركز من الوصول بالبلد وشعبه إلى سكة الأمان، بعيدًا عن سنوات الحرب والدمار؟ تلك أسئلة بحثية عميقة يتم تداولها في ليالي انعقاد الندوة العلمية للمعهد، والتي تتولى إدارتها بعناية ودقة علمية، من خلال الموضوعات التي تناقش يوميًا للإجابة عن جملة الأسئلة المثارة ضمن فعاليات المؤتمر العلمي لتراث وتاريخ ودور معهد سعيد حنابة في تقديم أفضل الأبحاث والدراسات العلمية حول ما تمر به البلاد.
ولا يخفى على القراء الأعزاء أن أبحاثًا عالية الدقة قدمها المعهد إجابةً لسؤال رصين طرحته عليه صحيفة الأيام الغرّاء، حول ظاهرة قلة المعروض من النقد المحلي (الريال) في أسواق التداول، ولماذا ترفض البنوك والصيارفة الاستجابة لرغبات من لديه عملات أجنبية بالدولار أو اليورو لاستبدالها بالريال اليمني.
إنها مسألة وقف خبراء الاقتصاد في معهد سعيد حنابة حائرين أمامها. فهي المرة الأولى في الكون التي ترفض فيها بنوك وصيارفة شراء نقد أجنبي قوي القيمة والسمعة، والأغرب أنهم يعرضون بيع أي مبالغ من الدولار أو الريال السعودي. وتلك ظاهرة وقف أمامها حائرًا ليس فقط معهد سعيد حنابة، بل كل المؤسسات والبنوك المركزية الدولية، علمًا بأن البنك المركزي اليمني لم يحرك ساكنًا حتى الآن، فيما يمسك مجلس شياطين الصيارفة بزمام عملة وطنية باتت نادرة في الأسواق.
ويحاول معهد سعيد حنابة الوصول بها إلى برّ الأمان عبر أبحاثه خلال ما تبقى من شهر رمضان المبارك.
وشكرًا لصحيفة الأيام على تبنيها مثل هذه الفعالية.