عَودٌ عَلى بَدء.. قراءة في آيتين وردتا في سياق مختلف
بالأمس كَتبتُ مَقَالاً حول الآيتين الواردتين بشكل مختلف في سورتي الأنبياء والتحريم.
وبالرجوع إلى سياق الآية الواردة في سورة الأنبياء وتتبعها من منبعها، وذكر القرآن الأنبياء -صلوات الله وسلامه عليهم-، للنبي -صلى الله عليه وسلم-؛ لتثبيته وتسليته بما جرى لهم مع أقوامهم، وما امتنَّ به عليهم؛ ابتداءً بذكر بموسى وهارون عليهما السلام، وإبراهيم وما جرى له مع قومه، وذكر امتنانه عليه بإنجائه مع لوط، وَهِبَةِ إسحاق ويعقوب له، وأنه جعلهم أئمة يهدون بأمره سبحانه.
ثم ذكر عقب ذلك لوطًا فقال: (وَلُوطًا) آتيناه حُكمًا وعلمًا.
وانتصاب لوط إمَّا على التنازع بفعل مضمر يدل عليه آتيناه. أو بفعل مضمر يدل عليه ما بعده تقديره وَلُوطًا جعلناه إمامًا؛ ثم فَسَّرَ بعد ذلك إمامته بإتيانه الحكم والعلم.
ثُمَّ لو تتبعنا بقية الرسل بعد لوط، نجد:
وَنُوحًا -بالنصب-.. ويذكر قصته.
ودَاودَ وسليمانَ – كذلك بالنصب-.. ويذكر قصتهما
وأيوب... ويذكر قصته.
وإسماعيل وإدريس وذا الكفل، ويثني عليهم بالصبر.
وذا النون... ويذكر قصته..
وزكريا ويحيى، وذكرهما والثناء عليهما..
ثم ختم ذكرهم بمريم؛ فقال:
(والتي أحصنت فرجها فنفخنا فيها من روحنا وجعلناها وابنها آية للعالمين).
ومن الملاحظ أنَّ الله سبحانه عدل هنا عن اسمها بوصفها بشيء لفرط ما اشتهرت به صارت كأنها اختصت به من دون سائر النساء. فقال: (والتي أحصنت فرجها فنفخنا فيها من روحنا).
وَكَأنّ الآية المعطوفة بفاء السببية قائمة مقام الخبر بالنسبة للاسم الموصول.
فإنَّا لو أسقطنا فاء السببية لاستقام أن تجعل (نفخنا فيها من روحنا) خبر عن (التي أحصنت فرجها). فيكون تركيب الآية: (التي أحصنت فرجها نفخنا فيها من روحنا).
والمكافأة والجزاء ظاهر في سياق الآية؛ حتى مع سقوط فاء السببية كما سبق أن ذكرنا؛ وذلك نحو قولك:
الذي جاءني أكرمته. فإنَّ إكرامك لمن جاءك متسبب عن مجيئه إياك.
فكيف لو وردت فاء السببية، وتأكد بورودها وقوع مضمونها بعدها؟!
وذلك نحو (السارق والسارقة فاقطعوا أيديهما). فإنَّ قطع أيديهما مترتب ومتسبب عن سرقتهما.
وكذلك نحو: (التي أحصنت فرجها فنفخنا فيها من روحنا).
فَإنَّ مريم عليها السلام أحصنت فرجها فرفع الحق سبحانه ذكرها، ولم يرد سبحانه أنها لإحصان فرجها نفخ فيه. فإنَّ المرأة قد تحصن فرجها، ولا يكون لها ولد بحال. هذه هي النكتة التي ظهرت لي.
ثُمَّ لو جَعلَ فِعل النفخ مُسلَّطًا على فرجها -وليس فيها- لاحتاجت الآية لخبر.
فإنه لو قال: (التي أحصنت فرجها فنفخنا فيه من روحنا) فستحتاج الآية هنا لخبر.
وبهذا يظهر فائدة التعبير بهذا التركيب النحوي البليغ والدقيق والإعجازي.
هذا ما ظهر لي.