عيد الرضوان… حين يهمس الاختلاف بلغة السلام
في بلدٍ أنهكته الانقسامات، وتنازعته الهويات المختلفة، قد يبدو الحديث عن “الاختلاف” ترفًا فكريًا لا يليق بواقعٍ مثقلٍ بالجراح. لكن، لعل الحقيقة الأكثر إلحاحًا اليوم هي أننا لم نُنهك بسبب اختلافنا، بل بسبب عجزنا عن فهمه والتعايش معه.
في هذا السياق، يمرّ عيد الرضوان، أحد أهم الأعياد لدى البهائيين، بهدوءٍ يكاد لا يُلحظ في اليمن، كأنه يهمس بدل أن يُعلن عن نفسه، حاملاً معه معنى يتجاوز حدود مجتمع بعينه، إلى سؤال أوسع: هل يمكن للاختلاف أن يكون لغةً للسلام؟
عيد الرضوان، الذي يحيي ذكرى إعلان الدعوة البهائية رسالتها، ليس مجرد مناسبة دينية خاصة، بل هو تعبير عن منظومة قيم تضع السلام، والوحدة الإنسانية، والتسامح في قلبها. قد لا يعرف كثيرون تفاصيل هذا العيد، وربما لا يهتم البعض بمعرفتها أصلًا، لكن الأهم من المعرفة المجردة هو ما يمكن أن تفتحه هذه المناسبة من مساحة للتأمل في واقعنا نحن، لا في عقائد الآخرين.
في مجتمعاتنا، اعتدنا أن ننظر إلى المختلف بعين الريبة. نحن لا نجهل الآخر فحسب، بل نختار أحيانًا ألا نراه، أو أن نراه من خلال صورٍ نمطية تُغنينا عن محاولة فهمه. كل ما لا يشبهنا يصبح موضع تساؤل، وربما اتهام. ومع مرور الوقت، تتحول هذه النظرة إلى جدار صامت يفصل بين الناس، لا يُرى لكنه يُشعَر في كل تفصيلة من تفاصيل الحياة اليومية. من هنا، لا تكمن أهمية الحديث عن عيد الرضوان في كونه “مجرد تعريفٍ بمناسبة دينية”، بل في كونه فرصة لكسر هذا الجدار، ولو عبر فكرة بسيطة: أن للآخرين أفراحهم أيضًا، وأن هذه الأفراح لا تنتقص من أفراحنا، بل تضيف إلى المشهد الإنساني تنوعًا وثراءً.
اليمن، بتاريخها الطويل، لم تكن يومًا أرضًا لصوتٍ واحد. تعددت فيها المذاهب والأديان، وتجاورت فيها الثقافات، ونسجت عبر قرونٍ طويلة حالة فريدة من التعايش، رغم كل ما شابها من توترات. غير أن السنوات الأخيرة أظهرت هشاشة هذا التوازن، وكشفت كيف يمكن للخوف من الآخر أن يتحول إلى أداة تمزيق، لا إلى دافع للفهم. في مثل هذا الواقع، يصبح الاعتراف بوجود الآخر —حتى على مستوى رمزي كتهنئته بعيدٍ ديني— فعلًا ذا دلالة عميقة.
ليس المطلوب من أحد أن يتبنى معتقد غيره، ولا أن يتخلى عن قناعاته، بل أن يدرك أن التنوع ليس تهديدًا بطبيعته. التهديد الحقيقي يكمن في تحويل هذا التنوع إلى ساحة صراع، بدل أن يكون مساحة للتعارف. وربما هنا تحديدًا تكمن الرسالة الأوسع التي يمكن أن يُقرأ بها عيد الرضوان: أن الإيمان، أيًا كان شكله، ينبغي أن يقود إلى بناء الجسور، لا إلى إقامة الحواجز.
قد يبدو هذا الكلام مثاليًا في ظل واقعٍ معقد، لكن كل تحوّل كبير يبدأ بفكرة صغيرة، وبنظرة مختلفة. حين نختار أن نرى في أعياد الآخرين مناسبة للتفكير بدل الرفض، فإننا نعيد تعريف علاقتنا بالاختلاف ذاته. وحين نتعامل مع التنوع بوصفه جزءًا من نسيج المجتمع، لا كجسمٍ غريب عنه، فإننا نخطو خطوة، مهما بدت بسيطة، نحو استقرارٍ أعمق.
عيد الرضوان، في هذا المعنى، ليس حدثًا يخص فئة بعينها، بقدر ما هو مرآة يمكن أن نرى فيها أنفسنا: كيف نتعامل مع الآخر المختلف؟ كيف نصوغ مفهوم “نحن” دون أن نقصي الآخرين؟ وهل يمكن لبلدٍ متعدد كاليمن أن يستعيد توازنه دون أن يعترف أولًا بهذا التعدد؟
ربما لا يغيّر مقال رأي واقعًا معقدًا، ولا يبدّل مواقف راسخة بين ليلة وضحاها. لكنه قد يفتح نافذة صغيرة في جدارٍ سميك، يمرّ منها ضوءٌ خافت، يكفي أحيانًا ليرشدنا إلى طريقٍ مختلف. في زمنٍ يعلو فيه الضجيج، قد يكون لما يهمس به الاختلاف —إن أصغينا جيدًا— قدرةٌ على تعليمنا لغةً أخرى… لغة أقرب إلى السلام… وربما أكثر صدقًا منا.
عيد الرضوان، الذي يحيي ذكرى إعلان الدعوة البهائية رسالتها، ليس مجرد مناسبة دينية خاصة، بل هو تعبير عن منظومة قيم تضع السلام، والوحدة الإنسانية، والتسامح في قلبها. قد لا يعرف كثيرون تفاصيل هذا العيد، وربما لا يهتم البعض بمعرفتها أصلًا، لكن الأهم من المعرفة المجردة هو ما يمكن أن تفتحه هذه المناسبة من مساحة للتأمل في واقعنا نحن، لا في عقائد الآخرين.
في مجتمعاتنا، اعتدنا أن ننظر إلى المختلف بعين الريبة. نحن لا نجهل الآخر فحسب، بل نختار أحيانًا ألا نراه، أو أن نراه من خلال صورٍ نمطية تُغنينا عن محاولة فهمه. كل ما لا يشبهنا يصبح موضع تساؤل، وربما اتهام. ومع مرور الوقت، تتحول هذه النظرة إلى جدار صامت يفصل بين الناس، لا يُرى لكنه يُشعَر في كل تفصيلة من تفاصيل الحياة اليومية. من هنا، لا تكمن أهمية الحديث عن عيد الرضوان في كونه “مجرد تعريفٍ بمناسبة دينية”، بل في كونه فرصة لكسر هذا الجدار، ولو عبر فكرة بسيطة: أن للآخرين أفراحهم أيضًا، وأن هذه الأفراح لا تنتقص من أفراحنا، بل تضيف إلى المشهد الإنساني تنوعًا وثراءً.
اليمن، بتاريخها الطويل، لم تكن يومًا أرضًا لصوتٍ واحد. تعددت فيها المذاهب والأديان، وتجاورت فيها الثقافات، ونسجت عبر قرونٍ طويلة حالة فريدة من التعايش، رغم كل ما شابها من توترات. غير أن السنوات الأخيرة أظهرت هشاشة هذا التوازن، وكشفت كيف يمكن للخوف من الآخر أن يتحول إلى أداة تمزيق، لا إلى دافع للفهم. في مثل هذا الواقع، يصبح الاعتراف بوجود الآخر —حتى على مستوى رمزي كتهنئته بعيدٍ ديني— فعلًا ذا دلالة عميقة.
ليس المطلوب من أحد أن يتبنى معتقد غيره، ولا أن يتخلى عن قناعاته، بل أن يدرك أن التنوع ليس تهديدًا بطبيعته. التهديد الحقيقي يكمن في تحويل هذا التنوع إلى ساحة صراع، بدل أن يكون مساحة للتعارف. وربما هنا تحديدًا تكمن الرسالة الأوسع التي يمكن أن يُقرأ بها عيد الرضوان: أن الإيمان، أيًا كان شكله، ينبغي أن يقود إلى بناء الجسور، لا إلى إقامة الحواجز.
قد يبدو هذا الكلام مثاليًا في ظل واقعٍ معقد، لكن كل تحوّل كبير يبدأ بفكرة صغيرة، وبنظرة مختلفة. حين نختار أن نرى في أعياد الآخرين مناسبة للتفكير بدل الرفض، فإننا نعيد تعريف علاقتنا بالاختلاف ذاته. وحين نتعامل مع التنوع بوصفه جزءًا من نسيج المجتمع، لا كجسمٍ غريب عنه، فإننا نخطو خطوة، مهما بدت بسيطة، نحو استقرارٍ أعمق.
عيد الرضوان، في هذا المعنى، ليس حدثًا يخص فئة بعينها، بقدر ما هو مرآة يمكن أن نرى فيها أنفسنا: كيف نتعامل مع الآخر المختلف؟ كيف نصوغ مفهوم “نحن” دون أن نقصي الآخرين؟ وهل يمكن لبلدٍ متعدد كاليمن أن يستعيد توازنه دون أن يعترف أولًا بهذا التعدد؟
ربما لا يغيّر مقال رأي واقعًا معقدًا، ولا يبدّل مواقف راسخة بين ليلة وضحاها. لكنه قد يفتح نافذة صغيرة في جدارٍ سميك، يمرّ منها ضوءٌ خافت، يكفي أحيانًا ليرشدنا إلى طريقٍ مختلف. في زمنٍ يعلو فيه الضجيج، قد يكون لما يهمس به الاختلاف —إن أصغينا جيدًا— قدرةٌ على تعليمنا لغةً أخرى… لغة أقرب إلى السلام… وربما أكثر صدقًا منا.
