قراءة في آيتين وردتا في سياق مختلف
قبل قرابة أسبوع، وأنا أبحث في بعض مسائل التفسير لفت نظري بعض الاختلاف في هاتين الآيتين التي تتحدث عن مريم وابنها المسيح عليهما السلام؛ وهي الواردتان في سورة الأنبياء والتحريم:
1- (والتي أحصنت فرجها، فنفخنا فيها من روحنا، وجعلناها وابنها آية للعالمين). [الأنبياء: 91].
2- (ومريم ابنة عمران التي أحصنت فرجها فنفخنا فيه من روحنا، وصدقت بكلمات ربها وكتبه وكانت من القانتين). [التحريم: 12].
ففي الأولى: جعل الحق سبحانه النفخ فيها (فنفخنا فيها). وفي الثانية في فرجها: (فنفخنا فيه من روحنا).
وحرت في الفرق بين معنيي الآيتين، حتى رأيت بعض المفسرين استنبط: أنَّ التعبير بالنفخ فيها يدل على إحياء ذكر مريم عليها السلام وعلو منزلتها. وهذا استنباط عظيم وفائدة كبيرة.
ويدل على ذلك ورودها في سياق ذكر الأنبياء الذين وصفهم الحق سبحانه، ابتداء بسيد الخلق محمد عليه الصلاة والسلام، وسائر الأنبياء كموسى وهارون وإبراهيم ولوط وداود وسليمان وذي النون وزكريا ويحيى عليهم أفضل الصلاة والسلام.
وبالتأمل في التركيب النحوي لكلا الآيتين والذي يتولد منه -ولا شك- معنى يختلف بعض الشيء عن سياق أختها. وهذا ما يؤديه معنى الآية الواردة في سورة الأنبياء؛ إذ أنها مع إشارتها إلى خلق عيسى من غير أب بالنفخ؛ ففيه أيضًا إحياء ذكر مريم عليها السلام والمكانة العظيمة التي نالتها، والدلالة على علوها وسموها ورفعتها كما ذكر بعض المفسرين.
لنتأمل التركيب النحوي الأول:
يلاحظ أنَّ الجملة ابتدأت بالاسم الموصول المسبوق بحرف العطف الواو، ثم العطف عليه وعلى جملة الصلة بجملة مسبوقة بحرف العطف الفاء.
وهكذا وردت:
(والتي أحصنت فرجها، فنفخنا فيها من روحنا، وصدقت بكلمات ربها).
والسؤال هنا: هل كان بالإمكان التعبير في هذا السياق: (فنفخنا فيه من روحنا)؟
أقول: يلاحظ أنَّ الاتساق اللفظي يختل بخلاف ورودها في سورة التحريم. فإذا ما تمعنَّا في نسق الآية: (التي أحصنت فرجها) (فنفخنا فيها من روحنا)، (وصدقت بكلمات ربها)، (وكانت من القانتين)= نجد أنَّ ضمائر الغائب تعود كلها إلى مريم المعبر عنها بالاسم الموصول (التي).
فـ (التي) أحصنت فرجها: مريم، يقضي باستئناف الحديث عنها، وهذا ما كان بالجملة المصدرة بحرف العطف الفاء (فنفخنا فيها من روحنا)، وما تلاها من جُمَل.
فالجملة بدأت باسم الموصول (التي)، وجملة الصلة: (أحصنت فرجها). تتكون من: فعل (أحصن)+ تاء التأنيث الساكنة الملحقة به + فاعل مستتر تقديره (هي)، يعود إلى الاسم الموصول + مفعول به. (فرجها). وفرج مضاف، و (ها- الضمير) مضاف إليه؛ يعود إلى مريم.
ولذلك جاءت الجملة العاطفة على نفس النسق والترتيب؛ وكلها تتحدث عن مريم المعبر عنها بالاسم الموصول (التي أحصنت فرجها)، (فنفخنا فيها من روحنا)، (وصدقت بكلمات ربها وكتبه)، (وكانت من القانتين).
ويظهر في جميع هذه الجمل أنَّ كل الضمائر الغائبة الواقعة في الجمل المعطوفة تشير إلى مريم، فلو جاء السياق بـ (فنفخنا فيه من روحنا)، بَدلاً من (فنفخنا فيها من روحنا)؛ لا نقطع النسق، واختل نظام العطف.
وَلأنَّ المعطوف لَهُ حُكم المعطوف عليه. فلو جعل الفعل (فنفخنا) مُسلطًا على فرجها؛ المعبر عنه بالضمير الغائب المجرور بحرف الجر: (فيه)؛ لاختل سياق نسق عطف هذه الجمل.
وستكون بهذا التركيب المختل: (والتي أحصنت فرجها)، (فنفخنا فيه من روحنا)، (وصدقت بكلمات ربه وكتبه)، (وكانت من القانتين).
كما ستكون جملة (فنفخنا فيه)، مفردة؛ كالأجنبية عن الجملة التي سبقتها والجمل اللاحقة لها.
ومن ناحية المعنى يظهر أنَّ جملة العطف المصدرة بالفاء أتت كمكافأة لمريم عليها السلام، لمَّا عَفَّتْ وأحصنت فرجها؛ فنفخ الله فيها من روحه وأحيا ذكرها وَخَلَّدَ اسمها.
فلو جعلت الجملة المعطوفة (فنفخنا فيها من روحنا)، بهذا التركيب (فنفخنا فيه من روحنا)، لا نقطع نسق الحديث عن مريم عليها السلام؛ ولانقطع نسق العطف، واختل المعنى، ولربما أوهمت الجملة المعطوفة عليها؛ وهي: (وجعلناها وابنها آية)؛ وهي التي تدل على مريم وابنها= لأوهمت أنَّ التي نفخ الله فيها الروح أنثى جعلها الله وابنها آية للعالمين. فإنَّ الضمير يعود إلى أقرب مذكور.
ولنلاحظ التركيب النحوي في الآية الثانية:
(ومريم ابنة عمران التي أحصنت فرجها، فنفخنا فيه من روحنا، وصدقت بكلمات ربه وكتبه وكانت من القانتين).
ففي هذه الجملة، تَمَّ تعيين الاسم (مريم ابن عمران)؛ وهي معطوفة على (امرأة فرعون) الواقعة في محل نصب عطف بيان أو بدل مِنْ (مَثلاً) في قوله تعالى: (وضرب الله مَثلاً للذين آمنوا)، ولها نفس الحكم في الإعراب.
ومريم عليها السلام الواردة في جملة: (ومريم) ابنة عمران، موصوفة بصفتين: الأولى: ابنة عمران.
والثانية: بجملة مصدرة بالاسم الموصول وصلته: (التي أحصنت فرجها)، ومعطوف على هذه الجملة جملة مصدرة بحرف العطف: الفاء: (فنفخنا فِيهِ من روحنا).
فمريم ابنة عمران؛ الواقعة عطف بيان أو بدل تعينت باسمها ووصفت بأنها ابنة عمران، ثم َوُصِفَت بجملة أخرى مصدرة باسم موصول وصلته (التي أحصنت فرجها)، ومعطوف على هذه الجملة جملة أخرى (فنفخنا فيه من روحنا).
وَلمَّا كانت (مريم ابنة عمران) قد تعينت وتم تحديدها، ووصفت بثلاث صفات؛ الثاني منهما (أحصنت فرجها)؛ والثالث: (فنفخنا فيه من روحنا).
ومن المعروف أنَّ الصفات فضلات وتوابع، وهي كالجزء من موصوفها؛ لذلك أمكن أن يجعل النفخ في فرجها؛ وهو جزء منها، بعد تعيينها ووصفها بعدة صفات؛ منها: (فنفخنا فيه من روحنا)، دون أن يختل السياق والمعنى؛ لأنَّ الصفات تختلف وتتعدد، فانتقل من الحديث عنها إلى الحديث عن جزء يتعلق بها؛ وهو النفخ في فرجها.
ولذلك لمَّا عطف جملة: (وصدقت) على (أحصنت)، على فصل ما بين الجملتين بـ (فنخفنا فيه من روحنا)= لم يختل نسق الكلام.
أمَّا المعنى الذي قد توحي به الآية الواردة في سورة التحريم؛ وهذا سياقها:
(ضرب الله مثلا للذين كفروا: امرأة نوح، وامرأة لوط؛ كانتا تحت عبدين من عبادنا صالحين، فخانتاهما، فلم يغنينا عنهما من الله شيئًا، وقيل: ادخلا النار مع الداخلين. وضرب الله مثلاً للذين آمنوا: امرأة فرعون؛ إذ قالت ربِّ ابن لي عندك بيتًا في الجنة، ونجني من فرعون وعمله، ونجني من القوم الظالمين. ومريم ابنة عمران التي أحصنت فرجها فنفخنا فيه من روحنا وصدقت بكلمات ربها وكتبه وكانت من القانتين).
= المعنى الذي قد يفهم من لفظ (فخانتاهما)، مقابل إحصان مريم لفرجها، وهو ما يدل عليه السياق، ودلالة الخطاب والاقتضاء أنَّ خيانة امرأة نوح وامرأة لوط لزوجيهما خيانة جنسية إلى جانب الخيانة الدينية.
كما يفهم من كلا الآيتين: أنَّ عِفَّةَ المرأة وإيمانها سبب في علو شأنها، وصلاح أبنائها ونباهة ذكرهم؛ ونيل كرامة الله في الدنيا بحسن الذكر، وفي الآخرة بتبوء الجنان، كما يستنبط من المثل الذي ضربه الله في شأن امرأة فرعون ومريم عليهما السلام.