الأم اليمنية كصانعة التعايش
من أين يتعلم الإنسان أول دروسه في الاختلاف؟
ومن يزرع في داخله حدود "نحن" و"هم" قبل أن يسمع بخلاف سياسي أو انقسام اجتماعي؟
قد لا يكون الجواب في المدرسة أو في خطابات المصالحة، بل في مساحة أكثر قربًا وتأثيرًا: حضن الأم. هناك، في الكلمات العابرة والتعليقات اليومية وطريقة الحديث عن الآخرين، تتشكل الملامح الأولى لفكرة التعايش؛ إما كقيمة طبيعية يعيشها الطفل، أو كحاجز خفيّ يكبر معه دون أن يشعر.
في المجتمع اليمني، حيث تحتل الأسرة مكانتها المركزية في تشكيل الوعي، لا تمارس الأم دورًا تربويًا فحسب، بل دورًا ثقافيًا عميقًا يتجاوز حدود البيت. فهي أول من يشرح العالم لطفلها أو طفلتها، وأول من يفسّر لهما اختلاف الناس في العادات والمناطق والانتماءات، وأول من يحدد لهما ـ بطريقة مباشرة أو غير مباشرة ـ كيف ينظران إلى من لا يشبههما. هذه المساحة اليومية البسيطة تخبئ قدرة هائلة على صناعة وعي متوازن.
فالطفل لا يتعرف على المجتمع من خلال النظريات، بل من خلال اللغة والأفعال التي يسمعها ويشاهدها في منزله بشكل يومي. حين يسمع أمه تتحدث باحترام عن الآخرين، حتى المختلفين عنها، يتعلم أن الاختلاف لا يلغي القيمة. وحين تشرح له خلافًا عائليًا بهدوء، وتُظهر له أن الاختلاف يمكن أن يُدار دون قطيعة، يتشرب معنى الحوار قبل أن يعرف اسمه. وحين تدربه على الاعتذار، أو تقبل خطأه دون إذلال، فإنها تغرس فيه بذرة إنسان قادر على الاعتراف والتراجع، وهي من أهم مهارات التعايش.
في المقابل، قد تتحول بعض العبارات العابرة إلى بذور انقسام طويلة الأمد. جملة صغيرة تصنّف الآخرين، أو نبرة تحمل خوفًا غير مبرر من المختلف، قد تترسخ في وعي طفل لم تتشكل أدواته النقدية أو قدرته على التحليل بعد. وهنا تتضح أهمية الوعي بحجم هذا الدور، لا من باب تحميل الأم مسؤولية ثقيلة، بل من باب إدراك قدرتها الكامنة. وربما تزداد حساسية هذا الدور في المجتمعات التي عاشت انقسامات حادة.
لقد مرّ المجتمع اليمني خلال السنوات الماضية بتجارب قاسية تركت أثرها في الذاكرة الجمعية للأسر. والأمهات، بحكم قربهن من تفاصيل الحياة اليومية، حملن كثيرًا من مشاعر القلق والخوف والرغبة في الحماية. ومن الطبيعي أن تنعكس هذه المشاعر في أساليب التربية. لكن بين الحماية المبررة وزرع الحواجز غير المرئية خيط رفيع يحتاج إلى وعي وتوازن.
إن النظر إلى الأم باعتبارها صانعة للتعايش لا يعني اختزال دورها في مهمة جديدة تُضاف إلى أعبائها، بل الاعتراف بأنها تمتلك في الأساس أدوات التأثير المناسبة. فهي التي تصوغ اللغة الأولى للطفل، وتشكل معاييره الأخلاقية الأولى، وترسم له صورة المجتمع. وإذا كان التعايش قيمة نطمح إلى ترسيخها على مستوى الوطن، فإن جذورها الحقيقية تنمو في هذه المساحة الخاصة.
من هنا، يصبح تمكين الأمهات ثقافيًا وتربويًا وعلمياً جزءًا من مشروع التعايش المجتمعي، لا قضية اجتماعية هامشية. فالوعي بأساليب التربية، وتوفير مساحات نقاش حول مهارات الحوار داخل الأسرة، وتقديم نماذج إعلامية إيجابية عن إدارة الخلاف، كلها أدوات تدعم هذه القدرة الكامنة. حين تشعر الأم أن دورها في بناء وعي متسامح مقدّر ومدعوم مجتمعياً، فإن أثر ذلك يتجاوز بيتًا واحدًا إلى مجتمع بأكمله.
وليس المقصود هنا أن الأم وحدها مسؤولة عن تشكيل الوعي؛ فالأب والمدرسة والمسجد والإعلام ووسائل التواصل الاجتماعية شركاء في هذه المهمة. غير أن الأم غالبًا ما تكون الصوت الأكثر حضورًا في السنوات الأولى، وهي السنوات التي تتشكل فيها البنية العميقة للشخصية. لذلك فإن أي مشروع حقيقي لتعزيز التعايش لا يمكن أن يغفل هذا الدور المؤثر.
في شهر مارس، حيث نحتفي بالمرأة والأم، قد يكون أجمل احتفاء هو إعادة قراءة هذا الدور بعيدًا عن العبارات التقليدية. فالأم ليست مجرد رمز للعطاء، بل فاعل اجتماعي يصنع ـ وفي كثير من الأحيان بصمت ـ ملامح المجتمع القادم. وكل كلمة تختارها، وكل طريقة تدير بها اختلافًا صغيرًا بين أبنائها، هي درس غير معلن في شكل الوطن الذي نحلم به.
في زمن تتكاثر فيه الدعوات إلى التعايش، قد يكون الطريق الأقرب إليه أكثر بساطة مما نتصور. إنه يبدأ بكلمة تقولها أم لطفلها عن الآخر، وبنبرة هادئة تشرح له أن الاختلاف ليس تهديدًا بل تنوعًا. هناك، في التفاصيل الصغيرة التي قد لا يلتفت إليها أحد، يُكتب شكل المجتمع القادم. وإذا أردنا وطنًا يتسع للجميع، فلنبدأ ببيت يتسع لفكرة أن الاختلاف يمكن أن يكون مصدر قوة لا سببًا للانقسام.