مناقشة مقال: "قيمة الحرية لدى الشخص الطبيعي والمعنوي" للقاضي البغدادي
مقالات القاضي عبدالعزيز البغدادي التي ينشرها كل ثلاثاء من كل أسبوع تشدّني كثيرًا لمناقشتها؛ فأختلف مع ما يطرحه تارة، وأتفق معه تارة أخرى، وأعتبر أن عدم الرد من قبله موافقة ضمنية على ما أضيفه، إذ ليس من طبعه التجاهل، كما أنه ليس من أولئك الكُتّاب الذين يرسلون ولا يستقبلون. ومن هذا المنطلق أواصل مناقشة مقالاته منذ ما يقارب سبع سنوات، نظرًا لأهميتها وعمقها وارتباطها الوثيق بالهمّ العام.
قرأت مقاله الأخير الذي نشر عبر صحيفة الشورى الإلكترونية يوم الثلاثاء 18 فبراير 2026م الموسوم ب: "قيمة الحرية لدى الشخص الطبيعي والمعنوي" باهتمام، وهو بلا شك يحمل طرحا جريئا وموقفا أخلاقيا واضحا في الدفاع عن الحرية بوصفها جوهر بناء الدولة. كما أن تأكيده بأن حرية الشخص الطبيعي هي الأساس الذي تُبنى عليه حرية الشخص المعنوي - أي الدولة - يمثل مدخلا فلسفيا مهما يعيد النقاش إلى أصوله الأولى: الإنسان قبل السلطة، والشرعية قبل القوة. غير أن تناول المشهد اليمني من زاوية معيارية أخلاقية خالصة يجعل الصورة تبدو وكأنها نتاج انحراف إرادي للنخب فحسب، متجاوزا التعقيدات السياسية والقانونية التي أفرزت سلطات الأمر الواقع المتعددة في صنعاء وعدن وحضرموت ومأرب والمخاء.
إن تعدد السلطات لم ينشأ من فراغ، بل جاء نتيجة الانقلاب على العملية السياسية الانتقالية بقوة السلاح، وما أعقبه من حرب وتدخلات إقليمية وقرارات دولية ومرجعيات سياسية شكّلت الإطار القانوني للنزاع. هذه الوقائع لا يمكن القفز عليها عند تحليل مشروعية أي سلطة أو تقييم موقعها من مفهوم الحرية. فصحيح أن هناك من يجادل في شرعية السلطة المعترف بها دوليًا بعد نقل الصلاحيات إلى مجلس القيادة الرئاسي، إلا أنه في المقابل لا يمكن تجاهل حقيقة أن سلطة صنعاء لم تحظَ بشرعية داخلية عبر انتخابات عامة، ولم تنل اعترافًا دوليًا بها كحكومة للدولة اليمنية، بينما ما يزال الكيان الآخر هو المعترف به دوليًا، مهما وُجّه إليه من نقد يتعلق بالأداء أو بمدى استقلال القرار.
لقد أحسن القاضي حين ربط بين حرية الفرد وحرية الحاكم الذي يتبعها حرية الدولة، فالعلاقة بينهما وثيقة، لكنّها ليست علاقة ميكانيكية مباشرة، فحرية الشخص الطبيعي تعني ضمان حقه في التعبير والاختيار السياسي والمشاركة عبر صناديق الاقتراع وخضوع الجميع لسيادة القانون، أما حرية الشخص المعنوي فتعني استقلال القرار السيادي واحتكار استخدام القوة وفق القانون والتمتع بالشخصية القانونية في النظام الدولي. وفي الحالة اليمنية، فإن ضعف الدولة ككيان معنوي بسبب الانقسام وفقدان احتكار القوة انعكس سلبا على حرية الأفراد، كما أن مصادرة إرادة الأفراد أضعفت شرعية الدولة وأدخلتها في دوامة سلطات الأمر الواقع. غير أن توصيف القيادات بأنها "عبيد" أو "قابلون للاستعباد" قد يختزل أزمة مركبة في بعد أخلاقي فردي، بينما هي في جوهرها أزمة مؤسسات منهارة وصراع مسلح وتداخلات إقليمية ودولية واختلال في موازين القوة.
أتفق مع القاضي في رفض احتكار أي طرف لتعريف الوطنية أو توزيع صكوك الشرف، كما أتفق معه في خطورة أن يكون الخصم حكمًا في الوقت ذاته. غير أن الإنصاف يقتضي أيضًا عدم مساواة جميع الأطراف من حيث نقطة البداية والمسؤولية التاريخية؛ فالانقلاب المسلح على مسار سياسي توافقي يختلف قانونيًا وأخلاقيًا عن سلطة تعاني من الضعف أو الارتهان لكنها ما تزال تستند إلى إطار دستوري سابق واعتراف دولي قائم. تجاهل هذا الفارق يخلط بين نقد الأداء وبين نزع الأساس القانوني.
لقد أصاب المقال حين حذّر من الارتهان للخارج ومن توظيف الدين أو الوطنية لاحتكار السلطة، وأحسن حين أكد أن الشعب هو مصدر الشرعية وصاحب الحق في تقرير ثوابته عبر عقد اجتماعي يقرّه بنفسه. لكنه لم يتوقف بما يكفي عند الأسباب البنيوية التي قادت إلى هذا الانقسام الممتد، ولم يناقش معادلة الشرعية الداخلية والخارجية بوصفها عنصرًا أساسيًا في تعريف الدولة الحرة في عالم تحكمه قواعد القانون الدولي.
إن استعادة حرية الشخص الطبيعي في اليمن لا يمكن أن تتم بالشعارات وحدها، بل بإعادة بناء المسار الدستوري والانتخابي، وتوحيد مؤسسات الدولة، واحتكارها للسلاح، والذهاب إلى انتخابات حرة يختار فيها الشعب من يحكمه. كما أن استعادة حرية الشخص المعنوي - الدولة - تتطلب إنهاء الانقسام، وتثبيت الشرعية عبر الإرادة الشعبية، وبناء علاقة متوازنة مع الجوار تقوم على الاحترام المتبادل لا التبعية ولا العداء.
الحرية التي ننشدها جميعا ليست توصيفا أخلاقيا مجردا، بل منظومة قانونية ومؤسساتية تحمي الفرد وتمنح الدولة شرعيتها. وأي مشروع سياسي – في الداخل أو الخارج – لا يجعل استعادة الإرادة الحرة للمواطن عبر الوسائل الدستورية والانتخابية في صلب أولوياته، فإنه يظل يدور في فلك الأزمة وإن رفع شعار التحرر.