بين الموالين والخصوم.. معركة استمالة الكتلة الصامتة
في أعقاب أحداث الشغب في محيط معاشيق، يكاد يجمع التحليل السياسي الرصين على حقيقة أساسية مفادها أن أي مكوّن سياسي، مهما اتسع نفوذه أو تعاظمت شعبيته، لا يعمل في فراغ. فالمشهد العام يتكوّن دائماً من ثلاث دوائر رئيسية: قاعدة مناصرة صلبة، وجبهة معارضة راسخة، وكتلة ثالثة هي الأكبر عدداً والأكثر حسماً، تتمثل في الفئة المحايدة التي لا تنخرط تلقائياً في أي من المعسكرين.
المناصرون غالباً ما يرتبطون بالمكوّن السياسي بروابط سياسية أو عاطفية أو مصلحية، ويواصلون دعمه في لحظات الصعود كما في أوقات التعثر. هذه الكتلة تمثل الأساس الثابت لأي مشروع، ولا يتطلب الحفاظ عليها جهداً استثنائياً، لأنها جزء من بنيته الداخلية.
أما المعارضون، فيقفون على الضفة المقابلة بدوافع تتراوح بين تجربة سابقة، أو خصومة سياسية، أو قناعة فكرية متجذرة يصعب زحزحتها. وفي كثير من الأحيان، لا تكفي أفضل القرارات أو أنضج السياسات لتبديل مواقفهم، إذ إن الصراع لديهم يتجاوز البرامج إلى اعتبارات الهوية والموقع والنفوذ و الإيديولوجية احياناً.
غير أن الفئة الأهم تظل تلك الكتلة المحايدة التي تشكّل غالبية المجتمع. فهي لا تعادي بالضرورة، لكنها لا تمنح ثقتها بسهولة. تراقب الأداء، وتوازن بين الخطاب والنتائج، وتقيس أثر السياسات على حياتها اليومية بعيداً عن ضجيج الشعارات. هذه الفئة هي التي ترجح الكفة في اللحظات المفصلية، وتحدد مآلات المعارك السياسية.
*من هنا، فإن جوهر الصراع لا يكمن في مجابهة المعارضين أو استرضاء المناصرين، بل في كسب ثقة الكتلة الصامتة. وهذا لا يتحقق عبر التصعيد الإعلامي أو المزايدات، وإنما من خلال أداء منضبط، ورسائل واضحة، وسياسات قابلة للتطبيق والقياس.*
على المدى القصير، قد يتمكن المجلس الانتقالي الجنوبي وبعض القوى الجنوبية من استثمار موجات التعاطف الشعبي، خاصة في ظل الأزمات وتراجع الثقة العامة. فالعاطفة المجتمعية تميل أحياناً إلى مساندة من يبدو في موقع الضغط أو التهميش. كما قد يُوظف العامل الزمني سياسياً - قبل حدوث أي تحوّل نوعي لصالح الشرعية وتحالف دعمها- عبر تكثيف الحضور في الشارع من خلال الفعاليات والاحتجاجات، بما فيها تلك التي تنزلق إلى أعمال تخريب أو عنف. غير أن هذا الرصيد العاطفي، بطبيعته، مؤقت وهش.
كذلك قد يستفيد الانتقالي من التزام الحكومة و عدم قدرتها قمع المظاهرات السلمية التزاما بحق التظاهر، ومن توجه المملكة العربية السعودية للاضطلاع بدور ميسّر جاد ومحايد، في محاولة لاستخدام الشارع كورقة ضغط سياسية تحافظ على حضوره في الجنوب، وتحدّ من أي تمثيل فاعل للمكونات الأخرى و للإقليم الشرقي، وخصوصاً حضرموت.
وفي المقابل، ورغم تسارع التطورات وقصر الفترة الزمنية، لا يزال الانتقالي يمتلك عناصر قوة مؤثرة، من بينها الموارد المالية الضخمة، والقدرة على استثارة المزاج الشعبي، واعتماد خطاب المواجهة لإثبات الحضور. وهي عوامل تمنحه استمرارية آنية، لكنها لا تضمن شرعية مستدامة. فالتجربة السياسية تؤكد أن العاطفة لا تبني دولة، ولا تؤسس لثقة طويلة الأمد.
مع مرور الوقت، تبدأ الأسئلة الجوهرية بالظهور: ما الذي تحقق على أرض الواقع؟ هل تحسّن مستوى المعيشة؟ هل تعزز الاستقرار الأمني والاقتصادي؟ وهل انعكس الخطاب السياسي في حياة المواطنين اليومية؟ هنا يصبح الأداء هو الفيصل.
فإذا استطاعت الحكومة إعادة ترتيب صفوفها، وحصلت على دعم استراتيجي منظم و منتظم ومباشر من التحالف بقيادة المملكة العربية السعودية، ونجحت في تحقيق قدر ملموس من الاستقرار السياسي والاقتصادي، وتحسين الخدمات، وضبط المؤسسات، فإن ذلك كفيل بإحداث تحوّل نوعي في المزاج العام، يمنحها موقعاً متقدماً في معادلة التوازنات.
إن استعادة فاعلية مؤسسات الدولة، وضبط الإيقاع الأمني، وتحسين مؤشرات الاقتصاد والمعيشة، يمكن أن يدفع شريحة واسعة من المجتمع إلى تفضيل خيار الاستقرار والتنمية باعتباره الأقل كلفة والأكثر قابلية للاستمرار. فالشارع لا يبقى طويلاً أسير الشعارات، بل ينحاز في النهاية إلى من يوفر له قدراً من الطمأنينة وتحسناً ملموساً في حياته.
*عند هذه النقطة، قد تنقلب الموازين بهدوء، لا عبر المواجهة بل عبر النتائج. وتتحول الكتلة المحايدة من مراقب صامت إلى داعم فعلي لأي مشروع يثبت قدرته على الانتقال من إدارة الأزمات إلى إدارة الدولة.*
وفي المحصلة، يظل الصراع السياسي الحقيقي ليس بين ساحات المناصرين وميادين المعارضين، بل حول كسب ثقة أولئك الذين يراقبون بصمت وينتظرون الأفعال لا الأقوال. ومن يستوعب هذه الحقيقة مبكراً، ويستثمر في الأداء الرشيد والخطاب المسؤول، سيكون الأقدر على بناء نفوذ مستدام وترسيخ شرعية راسخة في الوعي الجمعي.