الوهابية.. القراءة التقشفية للدين
خرجت الوهابية من نجد في القرن الثامن عشر كقراءة تريد اختصار السماء في جملة تعريف، دعوة تشبه في اقتصادها القاسي المكان الذي جاءت منه. حذف مستمر لكل ما تراكم حول النص حتى يغدو الدين سطحاً أملس يمكن مسحه كل صباح. هناك وقف محمد بن عبد الوهاب كمن عثر على مفتاح قديم وقرر أن جميع الأبواب الأخرى زائدة عن الحاجة.
بدأت الحكاية من قلق عقدي تحول إلى مشروع تنقية شامل. صار التوحيد معياراً يقيس حرارة الإيمان، وكل ممارسة شعبية دخلت غرفة الفحص مثل عادات القرون وطقوسها، وُضعت في خانة الاشتباه، كأن التاريخ الديني سلسلة إضافات غير مصرح بها على نص قصير. الدين في هذه الرؤية يبدو نصاً عارياً من طبقاته كجدار جُرد من زخارفه ليعود حجراً أولياً.
هذا الاختزال منح الوهابية وضوحاً صارماً، وضوح الجملة القانونية حين تُكتب بلا هوامش. المؤمن يُقاس بدرجة مطابقته للنموذج، والتدين يتحول إلى انضباط معياري. المجتمع هنا أشبه بقاعة امتحان عقدي، كل فرد فيها يجيب على السؤال نفسه حول مدى قربه من الأصل. ومع كل إجابة تتسع مساحة التصنيف، فيغدو التدين درجات التزام، والذاكرة الشعبية مادة مراجعة مستمرة.
في فضاء عاش قروناً على تعدد التأويلات، جاءت الوهابية كمدرس يعيد ترتيب المقاعد. التجربة الروحية التي اتسعت للرمز والتصوف والوساطة الاجتماعية صارت أمام معيار يطالب بالشفافية العقدية. الغيب يُقرأ بلهجة تقريرية والخيال الرمزي الديني يُستبدل بلائحة تعريفات. الإيمان يتحول إلى ملف، والطقس إلى بند، والتاريخ إلى أرشيف أخطاء.
التحالف مع آل سعود ساعد الدعوة على الانتشار وإرساء النفوذ، ونقل القراءة من منبر الوعظ إلى جهاز الحكم، فتحول التصحيح إلى برنامج إدارة للمجتمع. النص الذي طمح إلى الصفاء وجد نفسه قاعدة تنظيمية، والتوحيد صار أداة ضبط عام. اكتسبت الدعوة جسداً مؤسسياً، وتحول الجدل العقدي إلى جغرافيا نفوذ.
النتيجة ثقافة دينية تميل إلى الاختصار الحاد. الدين يقترب من صيغة معيارية، والتنوع يبدو فائضاً يحتاج ضبطاً. التصوف يُقرأ كإضافة غير لازمة، والرمز كغموض قابل للالتباس، والذاكرة المحلية كتراكم يحتاج تقليماً. في هذا المناخ يضيق مجال التجربة ويتقدم التعريف على الذوق، والحد على الحكاية.
كثير من النقد الموجه للوهابية ينطلق من هذا الميل إلى الاختصار العقدي، إذ تضيق مساحات من التراث الإسلامي الذي عاش على تعدد صوته. عوالم كاملة من التعبير الديني تُعامل كهوامش، والتاريخ يُقرأ كمسار يحتاج تصحيحاً مستمراً. ومع انتشارها عبر المؤسسات التعليمية والدعوية، اصطدمت هذه الرؤية بمجتمعات ذات تقاليد متنوعة، فبرز جدل مستمر حول معنى الأصالة وحدود التنوع داخل الإسلام.
الوهابية في محصلتها تجربة لإعادة صياغة الدين وفق قراءة تقشفية عالية الثقة بذاتها. مشروع يريد التاريخ خطاً مستقيماً، والذاكرة صفحة قابلة للتنقية، والتدين صيغة محددة. وبين أتباع يرون في ذلك صفاء ضرورياً وخصوم يرون فيه تضييقاً لعالم أوسع، يحتفظ الدين بتحدي الحفاظ على تعدده وغناه، مع خطر فقدان بعض معانيه عندما يُختزل في صيغة واحدة.