ريمة في زمن الحرب.. مبادرات تصنع الحياة من قلب العزلة
في محافظةٍ تتكئ على سفوح الجبال المطلة على تهامة وساحل البحر الأحمر، عاشت ريمة سنوات الحرب بعيدًا عن عدسات الكاميرات وخرائط التدخل الإنساني. طرق وعرة، خدمات شبه معدومة، وعزلة مزمنة جعلت أكثر من 600 ألف نسمة يواجهون الفقر والتهميش بأدوات محدودة وإمكانات شحيحة.
حتى أواخر عام 2024، لم تصل إلى المحافظة بعثة أممية رفيعة المستوى لتعاين واقعًا صعبًا: ثلاثة مستشفيات تعمل بطاقة محدودة، مدارس متهالكة، ومشروع مياه وحيد مهدد بالتوقف لنقص الوقود، في وقت تشير تقارير حديثة إلى أن نحو 74% من السكان بحاجة إلى مساعدات إنسانية. لكن المشهد لم يُختصر في الأرقام وحدها، بل في إرادة مجتمع قرر أن يتحرك.
من المعاناة إلى الفعل
في مديريات الجعفرية وكسمة والجبين والسلفية وبلاد الطعام ومزهر، تحولت الحاجة إلى طاقة عمل. رجال ونساء، مغتربون وتجار، شباب وكهول، التفوا حول فكرة بسيطة: بناء ما يمكن بناؤه بأيديهم. طريقٌ يُشق، مدرسة تُقام، مركز صحي يُبنى، مريض يُنقذ، ومعسر يُفرج عنه.

لم تكن تلك تحركات عفوية عابرة، بل تأسست لجان مجتمعية تنظم التبرعات، تضع الخطط، وتتابع التنفيذ. ومع الوقت، أخذت المبادرات طابعًا تنافسيًا إيجابيًا بين القرى، مدعومًا بتنسيق عبر مجموعات التواصل الاجتماعي، خصوصًا "واتساب" و"فيسبوك"، ليصبح العمل المجتمعي ثقافة يومية لا حدثًا استثنائيًا.
أرقام تعكس التحول
بحسب بيانات مكتب الأشغال العامة والطرق في المحافظة، بلغ عدد المبادرات المجتمعية حتى نهاية 2022 نحو 261 مبادرة في ست مديريات، بكلفة إجمالية تجاوزت 8 مليارات ريال يمني، تركّزت غالبيتها في مشاريع شق الطرق.
لاحقًا، قدمت السلطة المحلية دعمًا محدودًا تمثل في تزويد بعض المديريات بمعدات لفتح الطرق، ومنح كميات من الأسمنت والوقود لعدد من المشاريع، لكن التمويل الأساسي ظل مجتمعيًا ذاتيًا، مدفوعًا بمساهمات المغتربين وأبناء القرى.
المهندس محمد السعيدي، مستشار مكتب الأشغال، يرى أن "الحراك التنموي الحالي هو نتيجة طبيعية لسنوات التهميش، وتعبير عن إصرار الناس على إنجاز ما عجزت عنه الدولة والمنظمات".
طريق أنقذ حياة
في عزلة سامد بمديرية الجعفرية، شق الأهالي طريقًا بطول خمسة كيلومترات بين الصخور، بكلفة قاربت 50 مليون ريال. عرفات السامدي يروي التحول: "في السابق، كنا نحمل المرضى على نعوش لساعات حتى نصل إلى طريق سيارات. اليوم استطعت نقل والدتي بعد جلطة دماغية مباشرة إلى أحد مستشفيات الحديدة."

تجربة سامد لم تكن استثناءً؛ فقد شُقت عدة طرقات أخرى وسط تضاريس شديدة الوعورة، ما جعل الممرات الترابية شرايين حياة تربط قرى ظلت معزولة لعقود.
التعليم والصحة.. استعادة الأساسيات
في وادي صهافة بمديرية بلاد الطعام، تحولت مدرسة من دشمتين من القش إلى ثلاثة فصول دراسية بجهد المعلمين والأهالي، بعد أن وفر بنك الكريمي مواد البناء وتكفل السكان بأعمال التشييد. نحو 80 طالبًا سيبدؤون عامهم الدراسي في مبنى آمن، رغم استمرار الحاجة إلى تجهيزات أساسية.

وفي منطقة المطيب، شرع الأهالي في بناء مركز صحي بكلفة تجاوزت 15 مليون ريال، بينما ارتفع في منطقة اللفلف بمديرية كسمة مبنى مركز صحي متكامل بكلفة 74 مليون ريال بتمويل مجتمعي خالص، يخدم أكثر من 25 ألف مواطن، بانتظار التجهيزات والكادر الطبي.
كسمة.. صدارة في شق الطرق
تصدرت مديرية كسمة مشهد المبادرات، حيث نُفذت مشاريع طرق عديدة بتمويل ذاتي، منها طريق الجرير - بني زياد - ظلملم بطول سبعة كيلومترات وكلفة 150 مليون ريال، وطريق حمير بني سهيل - وادي السيد - علوجه بطول 24 كيلومترًا وكلفة تقارب 500 مليون ريال، إلى جانب عشرات الطرق القصيرة التي خدمت آلاف السكان.
وتُوج هذا الحراك بمشاريع نوعية مثل "سور ريمة" في الجعفرية، الداعم لطريق جبلي، والذي كان مشروعًا هندسيًا مجتمعيًا جسّد إصرار الأهالي على تأمين طرقهم رغم المخاطر الطبيعية.
تكافل يتجاوز البنية التحتية
لم تتوقف المبادرات عند الطرق والمدارس. أسبوعيًا، تُنشأ مجموعات تبرع لدعم حالات مرضية، وسداد ديون معسرين، وإعادة بناء منازل متضررة، وحتى دفع ديات في قضايا قتل خطأ.
في بني الضبيبي، نفذ المهندس محمد جسار بالتعاون مع مغتربين عشرات المشاريع خلال عقد من الزمن، شملت إصلاح طرق ومياه، دعم مرضى، توزيع سلال غذائية لنحو 300 أسرة سنويًا، والمساهمة في الإفراج عن معسرين. كما قدم "صندوق الأكمة" أكثر من 200 مليون ريال لدعم مشاريع خدمية وإنسانية متنوعة في القرية.
بين العفوية والحاجة إلى التأطير
رغم النجاح، لا تخلو التجربة من تحديات. يشير المهندس السعيدي إلى أن بعض المشاريع نُفذت دون دراسات هندسية واقتصادية كافية، ما قد يرفع المخاطر والتكاليف، خصوصًا في المناطق الجبلية.
كما يؤكد ناشطون أهمية تدخل الدولة والمؤسسات للإشراف الفني ودعم الاستدامة، حتى تتحول هذه المبادرات من جهود استثنائية إلى مسار تنموي منظم وآمن.
درس في الاعتماد على الذات
عدا عن كونه تعويض مؤقت لغياب الدولة، يمكن القول إن ما حدث في ريمة تجربة مجتمعية أعادت إحياء قيم التضامن والعمل الجمعي. طرق شُقت، مدارس بُنيت، مراكز صحية ارتفعت، وأسر أُنقذت من العوز، جميعها بجهود ذاتية صلبة.
في محافظة طالها النسيان طويلًا، اختار أبناؤها أن يكتبوا رواية مختلفة: حين تتراجع الخدمات، يمكن للمجتمع أن يتقدم. وحين تضيق الإمكانات، تتسع الإرادة.
تجربة ريمة اليوم ليست فقط قصة تنمية محلية، بل نموذج قابل للاستلهام في الريف اليمني، إذا ما حظي بالدعم المؤسسي والرسمي الكفيل بتحويل المبادرات الفردية إلى مشروع وطني مستدام.