إعادة تدوير متهمين بالانتهاكات.. عودة «النوبي» تثير ملف العدالة الغائبة في عدن

أثارت عودة القيادي الأمني السابق في تشكيلات المجلس الانتقالي الجنوبي، إمام النوبي، إلى عدن، موجة واسعة من الجدل والانتقادات، في ظل اتهامات حقوقية خطيرة تلاحقه منذ سنوات، تتعلق بجرائم قتل واختطاف وتعذيب طالت مدنيين ونشطاء.
وبينما تُقرأ هذه العودة في سياق تحولات سياسية وأمنية تشهدها المدينة، يرى حقوقيون وناشطون أنها تعيد فتح واحد من أكثر الملفات حساسية، وتضع السلطات أمام اختبار حقيقي بشأن التزامها بمسار العدالة ومحاسبة المتورطين في الانتهاكات، وسط مطالبات متصاعدة بالقبض عليه وإحالته إلى القضاء.
إعادة ترتيب المشهد
وبحسب مصادر محلية وإعلامية، وصل النوبي إلى عدن قادمًا من الخارج، بعد نحو خمس سنوات من مغادرته المدينة عقب مواجهات مسلحة مع فصائل تابعة للمجلس الانتقالي، والتي اتُهم خلالها بقيادة تمرد داخلي في أكتوبر 2021، إثر اشتباكات خلّفت قتلى وجرحى.
وتأتي هذه العودة في ظل مؤشرات على تحركات لإعادة تشكيل الخارطة الأمنية والعسكرية في جنوب اليمن، بما في ذلك إعادة إدماج قيادات سابقة جرى إقصاؤها خلال السنوات الماضية، في سياق ترتيبات تتم بدعم سعودي لإعادة توزيع مراكز النفوذ داخل المؤسسات الأمنية.
من الصعود إلى الصدام
برز إمام النوبي كأحد القيادات الأمنية البارزة في عدن خلال مرحلة ما بعد الحرب، قبل أن يدخل في صراع مفتوح مع قيادة المجلس الانتقالي، انتهى بمواجهات مسلحة وانحسار نفوذه وخروجه من المدينة.
ومنذ ذلك الحين، ظل اسمه حاضرًا في سياق الانقسامات داخل التشكيلات المسلحة في الجنوب، قبل أن يعود إلى الواجهة مجددًا مع هذه التطورات الأخيرة.
اتهامات ثقيلة تلاحقه
ترتبط عودة النوبي بسجل واسع من الاتهامات، حيث يتهمه ناشطون ومنظمات حقوقية بالضلوع في عمليات قتل واختطاف وتعذيب، من بينها قضية مقتل الشاب أمجد عبدالرحمن، منتصف مايو 2017، إضافة إلى اتهامات بإدارة مراكز احتجاز غير رسمية شهدت انتهاكات جسيمة، بينها الإخفاء القسري والتعذيب.

كما تشير شهادات متداولة إلى تعرض عدد من النشطاء والصحفيين للملاحقة والتهديد، في سياق حملة قمع طالت معارضين وناقدين خلال فترة سيطرة التشكيلات المسلحة على عدن، والتي كان أحد قاداتها.
مطالبات بالمحاسبة
في موازاة الجدل السياسي، تصاعدت دعوات حقوقية وشعبية تطالب بسرعة توقيف إمام النوبي وفتح تحقيق قضائي شفاف في الاتهامات المنسوبة إليه، بدلًا من إعادة تدويره في مواقع النفوذ.
وأكدت المحامية والناشطة الحقوقية هدى الصراري أن إعادة إدماج قيادات متهمة بانتهاكات جسيمة “لا يمكن تبريرها تحت أي ذريعة”، مشددة على ضرورة إخضاع هذه الملفات لمسار قضائي عادل وشفاف.
كما دعا حقوقيون إلى تمكين الضحايا من تقديم بلاغاتهم، وتوفير ضمانات الحماية للشهود، مؤكدين أن العدالة لا تسقط بالتقادم، وأن تجاهل هذه المطالب يكرّس ثقافة الإفلات من العقاب.
وفي السياق ذاته، عبّر ناشطون عن مخاوفهم من أن تؤدي عودة شخصيات متهمة بانتهاكات إلى تهديد السلم الاجتماعي، خاصة في ظل وجود ضحايا مباشرين لا تزال قضاياهم دون إنصاف، معتبرين أن “مكان المتهمين بجرائم جسيمة هو القضاء، لا مواقع السلطة”.
انقسام في قراءة الحدث
بينما يرى عدد من المراقبين أن عودة النوبي تندرج ضمن ترتيبات أوسع لإعادة التوازن داخل الأجهزة الأمنية في عدن، يعتبر آخرون أن هذه الخطوة تعكس استمرار تغليب الاعتبارات السياسية على حساب العدالة.
ويحذر حقوقيون من أن إعادة دمج شخصيات مثيرة للجدل دون معالجة ملفات الانتهاكات، قد تؤدي إلى تقويض الثقة بمؤسسات الدولة، وتعميق الانقسامات داخل المجتمع.
وتكشف هذه التطورات عن معضلة أساسية في المشهد اليمني، تتمثل في التوتر بين ضرورات إعادة الاستقرار الأمني، ومتطلبات تحقيق العدالة الانتقالية.
ويرى مختصون أن أي مقاربة لا تضع محاسبة المتورطين في الانتهاكات في صلبها، ستظل عاجزة عن بناء استقرار مستدام، بل قد تعيد إنتاج دوائر العنف وعدم الثقة.
اختبار جديد للدولة
في المحصلة، تمثل عودة إمام النوبي محطة اختبار حقيقية للسلطات اليمنية، ليس فقط في كيفية إدارة التوازنات الأمنية، بل في مدى استعدادها لفرض سيادة القانون والتعامل مع إرث الانتهاكات.
فإما أن يتم فتح هذه الملفات عبر مسار قضائي واضح يبدأ بالتحقيق والتوقيف والإحالة إلى القضاء، أو أن تتحول هذه العودة إلى مؤشر جديد على استمرار أزمة العدالة، بما يحمله ذلك من تداعيات على مستقبل الاستقرار في عدن واليمن عمومًا.
