صنعاء 19C امطار خفيفة

غياب الحرية في اليمن وخنق  أصوات النقاد و المعارضة(4-14)

في ظل الأجواء السياسية المتوترة والمعقدة التي تعيشها البلاد العربية، وفي مقدمتها بلادنا - التي كانت ذات زمن تُسمى بالسعيدة - يبدو أن السلطات فيها، بدلاً من أن تستفيد من النقد البناء والملاحظات الجادة، فإنها تُفضِل أن تُسكت الأصوات الناقدة، ولو لم تكن من المعارضة، وتسعى لتكميم أفواه الكُتاب والمؤثرين، واختارت لنفسها، كما يشهد عليها الواقع، أن تتعامل مع كُتاب المقالات والتحقيقات والمنشورات الناقدة بطريقة واحدة أساسية دائمة، وهي الملاحقة والاعتقال، وطريقة ثانية ثانوية، وهي استقطاب الكُتاب والصحفيين والإعلاميين والمشاهير وأشهر المفسبكين بالترغيب والترهيب، ليصبحوا مجرد أبواق لها. لا فرق هنا بين الحكومة والمليشيات.

هكذا، باختصار، هو تعامل الحكومات الفاسدة والمستبدة مع النقد، ومع النقاد والمعارضين، بدلاً من أن تقوم بمراجعة أخطائها، وتصحيح انحرافاتها… أو، في أحسن الأحوال، تتجاهل تلك المقالات، وتتجاهل كُتابها، وتقيهم من عنفها وإفسادها لهم. ونادراً ما تسلك طريق التجاهل، وإذا فعلت هذا فمع غير المشاهير، ومتى كانت كتاباتهم الناقدة في المواضيع العادية التي تراها - السلطة أو الميليشيا - بعيدة عن هامش اهتماماتها.

هذا الأسلوب في التعامل مع النقد والمعارضة ليس فقط غير مجدٍ، بل هو ضار بالوطن والمواطنين. ويتعين على سلطات الحكومة الفندقية، وعلى حكومة الانقلاب الصعداوية، أن تترفعا عن هذه الأساليب، وأن لا تنظرا للمعارضين والنقاد نظرة عداء؛ لأنهم ليسوا أعداءً للوطن، فلا هم انقلابيون، ولا هم مرتهنون للخارج، ولا هم خصوم للأنظمة كأنظمة، ولا هم خصوم لقياداتها ورئاستها كأشخاص، وإنما هم أناس همهم في الأول والأخير اليمن ومصالح اليمن أرضاً وشعباً، ويجب أن تكون النظرة لهم على هذا الأساس، باعتبارهم شركاء في البناء والتطوير. وفي هذا المعنى يقول الكاتب الصحفي الأمريكي توماس فريدمان: "النقد هو الوقود الذي يحرك عجلة التطور والتقدم"!

ومن جانب آخر، فقد قيل - وبحق -: "إن التاريخ يؤكد أن الدول لا تسقط بفعل الحروب الخارجية بقدر سقوطها حين تنكفئ السلطات على ذاتها"، وتفقد القدرة على رؤية الناقد والمعارض كشريك في الوجود يجب احترامه وسماع صوته، لا كعدو يجب قمعه وخنق صوته.

كما يجب أن ندرك حقيقة هامة، وهي أن العدو لا يميز بين حكومة شرعية وبين انقلابي حوثي، ولا بين صعدة أو صنعاء، وبين عدن أو حضرموت، أو بين سلطة ومعارضة، أو بين ناقد وحاكم، أو بين منطقة وأخرى، أو مذهب وآخر، فالكل في نظره عدو.

اليمن، كسائر الأقطار المحكومة بسلطات فاسدة ومستبدة، زاد ظهور قيحها وقبحها مع ظروف الحرب العبثية المتواصلة، فكثيراً ما نسمع اعتقال الكُتاب والصحفيين والمفسبكين الذين ينتقدون أداء الحكومة الشرعية المقيمة خارج البلاد، ومثلهم الذين ينتقدون سلطة الحوثي وأدواتها العابثة داخل البلاد، خاصة في ظل الحروب العبثية والظالمة التي قذفوا بالبلاد في آتونها، وليس لها فيها لا ناقة ولا جمل.

لا يليق بأحد أن ينكر أن الكُتاب والصحفيين المستقلين عن الحكومة وجماعة الحوثي، على السواء، يتعرضون إلى التهميش أو الاضطهاد، ما لم ينحازوا لإعلام السلطة التي يقيمون في نطاق سيطرتها الجيوسياسية، أو لأي منبر إعلامي تابع لها. وغالباً، فإن هذا النوع من التعامل لا يخيف الكُتاب فقط، بل يخيف المواطنين أيضاً، ويمنعهم من التعبير عن آرائهم وإبداء النصح للساسة والسياسات.

وإن كانت مثل هذه التصرفات المستبدة تُلجئ البعض إلى الإذعان، خاصة مع غياب الضغط الشعبي والإعلامي الذي بمقدوره أن يشكل ضغطاً يجبر السلطات الحكومية والميليشياوية على كف الأذى عنهم.

وفي الختام، علينا أن نعي جيداً بأن غياب الحرية، وخنق الأصوات المعارضة في اليمن، ليس فقط تهديداً للحقوق الأساسية للمواطنين، بل هو أيضاً عائق خطير أمام وضوح الرؤية الوطنية لخروج البلاد من الأزمة.

وأن نعي جيداً كذلك أن النقد (البناء) هو فرصة للتصحيح والتطوير، وأن احترام حرية التعبير والتعامل المسؤول مع النقاد والمعارضة هو الأساس لبناء دولة يمنية قوية ومستقرة.

وعلى ذلك، فكلنا اليوم معنيون، أكثر من أي وقت مضى، بالدفاع - ودون ملل - عن حقنا في التعبير عن آرائنا بكل حرية وشفافية، وبعيداً عن القمع والاحتواء الإجباري، حتى نستطيع أن نبني للأجيال يمنًا آمنًا ينعم فيه كأفراد بالعدالة والأمن والحرية تحت لواء سيادة القانون.

الكلمات الدلالية