دور اليمن المجيد في الفتوحات الإسلامية
وفقًا لمصادر عديدة، تمكنتُ من كتابة هذا الموضوع الوجيز إلحاقًا بموضوعي السابق حول «تاريخ اليمن القديم حتى ظهور الإسلام»، رغبةً مني في الربط بين الموضوعين؛ لتكتمل الصورة للقراء الأفاضل حول التاريخ اليماني المشرّف.
1- عهد النبوة (1–11 هـ) الموافق (622–632م)
في البعثة الأولى التي أرسلها النبي محمد ﷺ إلى صنعاء، بقيادة الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه، تُوِّجت بإسلام قبيلة همدان في يوم واحد، وسجد النبي شكرًا لله على إسلامها قائلًا:
«السلام على همدان، السلام على همدان».
ثم أتت وفود القبائل اليمنية لإشهار إسلامها، وأثنى عليها بقوله:
«أتاكم أهل اليمن، هم أرق أفئدة وألين قلوبًا، الإيمان يمانٍ والحكمة يمانية».
وفي سياقٍ متصل، قام بتأسيس المدينة المنورة لتكون كيانًا سياسيًا وقانونيًا في الجزيرة العربية وفقًا لوثيقة المدينة، وأهم أسسها مبادئ المواطنة والعدل، وإرساء القضاء والعدالة، وتولّى بنفسه القضاء والتحكيم.
وقد لعب اليمانيون دورًا محوريًا في صدر الإسلام دفاعًا عن الدين الإسلامي؛ إذ كانوا عماد الجيوش الإسلامية في الغزوات والفتوحات، وأبرز مشاركاتهم في فتح مكة (8 هـ)، وغزوتي حنين وتبوك (9 هـ)، وحصار الطائف. وهدفت هذه المعارك إلى نشر الإسلام في شبه الجزيرة العربية وتأمين المدينة المنورة.
ومن الجدير بالذكر أن النبي محمد ﷺ بعث برسائل إلى ملوك وحكام البلدان المجاورة، مثل هرقل في الشام وكسرى في فارس، لدعوتهم إلى الإسلام.
وبعد وفاته ﷺ سنة 11 هـ، تولّى الحكم الخلفاء الراشدون: أبو بكر الصديق، وعمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، والإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنهم.
2- عهد الخلفاء الراشدين (11–40 هـ) الموافق (632–661م)
كانت الكتائب اليمنية عماد هذه الحروب:
حروب الردة (11–12 هـ)، لتثبيت أركان الدولة داخل الجزيرة العربية.
فتح العراق وفارس (12–21 هـ) بقيادة خالد بن الوليد؛ بدأ بفتح الحيرة، ثم القادسية (15 هـ)، ونهاوند (21 هـ).
فتح الشام (13–17 هـ): معركة اليرموك (15 هـ)، وفتح بيت المقدس (16 هـ).
فتح مصر (18–20 هـ) بقيادة عمرو بن العاص.
فتح برقة وطرابلس (22–27 هـ) في عهد الخليفة عمر بن الخطاب، ثم عثمان بن عفان.
فتح قبرص وأرمينيا (28–30 هـ) في عهد الخليفة عثمان بن عفان.
3- العصر الأموي (41–132 هـ) الموافق (661–750م)
كان للجيوش اليمنية دورٌ بارز في المعارك الآتية:
استكمال فتح المغرب العربي.
استكمال فتح الأندلس بعد وفاة القائدين طارق بن زياد وموسى بن نصير.
فتوح ما وراء الهند والسند (89–96 هـ) بقيادة قتيبة بن مسلم الباهلي ومحمد بن القاسم الثقفي.
الوصول إلى بلاد الغال (فرنسا حاليًا)، ومعركة بلاط الشهداء (114 هـ).
4- عصر الدولة العباسية
امتدت الدولة العباسية على مرحلتين لأكثر من خمسة قرون:
المرحلة الأولى: (132–232 هـ / 750–847م)، نعمت فيها الدولة بالاستقرار والازدهار، وتوسعت حتى الصين شرقًا.
المرحلة الثانية: (232–656 هـ / 847–1258م)، أصاب الدولة ضعفٌ سياسي حتى سقوطها على يد المغول بقيادة هولاكو سنة 1258م.
استمرت الفتوحات العباسية، ولكن بوتيرة مختلفة عن العصرين الراشدي والأموي.
5- أبرز ولاة وقادة يمنيين في الفتوحات الإسلامية
الصحابي معاذ بن جبل: أرسله النبي ﷺ إلى اليمن حاكمًا للمخلاف الأعلى وعاصمته الجند (تعز)، وكانت مهمته إدارة المخلاف وتعليم أصول الدين.
الصحابي أبو موسى الأشعري: تولّى حكم المخلاف الأسفل (تهامة)، ثم عيّنه الخلفاء الراشدون على مناطق عدة.
الصحابي وائل بن حجر: كبير أقيال حضرموت، عُيّن واليًا عليها.
عمار بن ياسر، جرير بن عبدالله البجلي، علقمة بن زيد الحميري، شرحبيل بن حسنة الكندي، أويس القرني، مالك الأشتر النخعي.
محمد بن القاسم الثقفي: قاد جيوشًا لفتح بلاد السند.
سمح بن مالك الخولاني: استشهد في معركة تولوز بالأندلس.
عبدالرحمن الغافقي: استشهد في معركة بلاط الشهداء ببلاد الغال.
ربيع بن زياد المدحجي: فتح خراسان.
حميد بن معيوف الهمداني: قائد بحري في العهد العباسي، غزا جزيرة كريت.
معاوية بن خديج الكندي: من أبرز قادة شمال أفريقيا.
وقد اشتهر اليمنيون في المعارك البحرية، وكان لقبيلة مراد دورٌ كبير في معركة ذات الصواري في عهد الخليفة عثمان بن عفان رضي الله عنه، بين أسطول المسلمين والأسطول البيزنطي، قبالة سواحل الأناضول، وانتصر المسلمون انتصارًا كبيرًا.
أكتفي بهذه اللوحة المشرّفة لأسماء أبرز القادة والشخصيات الحكيمة في التاريخ الإسلامي في العهود الأربعة: النبوي، والراشدي، والأموي، والعباسي، على سبيل المثال لا الحصر.
وقد استوطنت مجموعة من الكتائب من قبائل مذحج وهمدان وخولان وكندة في مصر، وشمال أفريقيا، والشام، ووسط آسيا.
6- الدول الإسلامية اليمنية
الدولة الزيادية (819–1018م): أسسها محمد بن زياد في زبيد، وكانت تابعة اسميًا للعباسيين.
الدولة اليعفرية (847–997م): حكمت أجزاء واسعة من المرتفعات وصنعاء.
الدولة الزيدية: تأسست على يد الإمام الهادي يحيى بن الحسين سنة 897م، واستمرت (في فترات متقطعة) حتى 1962م.
الدولة الصليحية (1047–1138م): أسسها علي محمد الصليحي، وبرز فيها حكم الملكة أروى بنت أحمد، التي نقلت العاصمة إلى جبلة.
الدولة الرسولية (1229–1454م): من أقوى الدول اليمنية المستقلة، شهدت ازدهارًا ثقافيًا واقتصاديًا، وكانت عاصمتها تعز.
الدولة الطاهرية: تأسست في رداع وامتدت لتشمل صنعاء وعدن.
العهد العثماني: حملتان (1538–1635م) و(1872–1918م).
وانتقل الحكم بعد ذلك إلى المملكة المتوكلية اليمنية بقيادة الإمام يحيى بن حميد الدين، ثم إلى الإمام أحمد، حتى قيام ثورة 26 سبتمبر 1962م وقيام الجمهورية العربية اليمنية.
أما جنوب اليمن، فكان تحت الاستعمار البريطاني منذ احتلال عدن سنة 1839م، واستمر حتى 30 نوفمبر 1967م، حيث أُعلنت جمهورية اليمن الجنوبية الشعبية، ثم سُمّيت لاحقًا جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية.
بهذا العرض الموجز، تتضح إسهامات اليمنيين في مسيرة الفتوحات الإسلامية وبناء الدول عبر العصور، بما يعكس مكانة اليمن وأبنائه في صفحات التاريخ الإسلامي.