أن تتذكر أكثر مما تعيش
ذاكرة اليمني أشبه بجثة لا تتحلل، ترافقه ككلب مريض لا هو حي ليلعب معه ولا هو ميت ليدفنه. هي نوع من الإعاقة في بلد يملك فائضاً من الكوارث، أو كالأرجل الزائدة في الأساطير تعرقل خطوتك ولا تمنحك سرعة إضافية. تحاول أن تمشي نحو غد أقل قتامة فتجذبك إلى مشهد أو دوي انفجار ما زال صداه عالقا.
أن تحمل الذاكرة في اليمن يعني أن تكون الناجي الذي يتعذب لأنه بقي حياً. أن تجر حياة لا تريدها لأنك تعرف أكثر مما ينبغي عن ما حدث. أن تعيش بذاكرات جماعية بدل ذاكرة فردية واحدة، وبجماجم جماعية وأحلام جماعية قُتلت قبل أن تولد. الذاكرة هنا خارج نطاق الاختيار وخارج معنى الترف الذي يمكن تعطيله كما نعطل إشعارات الهاتف. إنها الهاتف نفسه والشاشة والشاحن والجدار الذي نرتطم به يومياً. قد تنقطع مثل الكهرباء لكنها تعود دائماً وتدفع فاتورتها كاملة. تدفعها قلقاً وأرقاً وصوراً لا تمحى.
وفي بلد يشهد موتاً جديداً كل يوم لا مساحة للنسيان ولا كهرباء كافية لترتيب أرشيف المعاناة. كل حادثة تتكدس فوق أختها كطبقات ركام على مدينة لم تُرفع أنقاضها بعد. يعيش اليمني عالقاً في منطقة رمادية. ذاكرته أثقل من أن تُحمل وأخف من أن تُدفن. لا يُمنح لحظة فراغ. لا هدنة عقلية ولا زمن نظيف يمكن البناء عليه. وحتى من هرب خارج الجغرافيا حملها معه في الحقيبة. ومشكلات اليمني لا تكمن فقط في السياسة أو في فقره المستديم ولا في الحرب التي تأكل الأيام. إنما في هذا الأرشيف الداخلي الصامت الذي يصر على العمل وحده بينما كل شيء متوقف.