صنعاء 19C امطار خفيفة

مأزق الحريات الصحفية في اليمن

منذ اندلاع شرارة الأحداث في عام 2011، لم تعد الكلمة في اليمن مجرد وسيلة لنقل الخبر، بل استُحيلت عبئاً وجودياً يدفعه الصحفيون من حيواتهم وأجسادهم. ومع حلول عام 2026، يشير المشهد الحقوقي إلى حصيلة مروعة تضع "مهنة المتاعب" أمام مخاطر جسيمة؛ في ظل بيئة عدائية أحكمت خناقها على حرية التعبير عبر استراتيجية قمعية ثلاثية الأبعاد: جسدية، ومادية، ورقمية.

نزيف الأرواح واستهداف الكوادر

وبمقارنة السياق الزمني، نجد أن التقارير الدولية التي رصدت مقتل 45 صحفياً بين (2011-2021) قد تجاوزتها الأحداث فعلياً؛ إذ تفيد البيانات الموثقة بأن إجمالي الضحايا ناهز 65 قتيلاً حتى مطلع العام الجاري. وقد مثل عام 2025 منعطفاً مأساوياً بوصوله إلى ذروة دامية سجلت خلالها نقابة الصحفيين 16 حالة قتل، تصدرتها واقعة قصف المؤسسات الإعلامية بصنعاء في سبتمبر من العام ذاته، والتي أودت بحياة 31 من الكوادر الصحفية والإدارية، وفقاً لبيانات لجنة حماية الصحفيين (CPJ).

خارطة التنكيل: ما وراء الاستهداف الجسدي

وبالانتقال من التصفية الجسدية إلى الأنماط الانتهاكية الأخرى، نجد أن خارطة التنكيل تمددت لتشمل أكثر من 1600 حالة موثقة. ويتجسد هذا القمع في استمرار احتجاز نحو 14 صحفياً حتى أبريل 2026، يقضي بعضهم عامه الحادي عشر في الأسر وسط مؤشرات مقلقة حول تدهور حالتهم الصحية جراء التعذيب الممنهج. ولم يقتصر الانتهاك على الترهيب المعنوي فحسب، بل امتد ليشمل اعتداءات جسدية مباشرة أدت إلى إصابة نحو 70 صحفياً بإعاقات دائمة. وعلى الصعيد القانوني، تجلى التوظيف السياسي للقضاء في إصدار أحكام إعدام استهدفت أقلاماً صحفية لسنوات، علاوةً على استمرار اتخاذ "المحاكم الاستثنائية" ذريعةً لإسباغ صفة الشرعية على قمع المعارضين.

سلاح التجويع والرقابة التقنية

وبالتوازي مع العنف المادي المباشر، برزت سياسة "التجويع القسري" كأداة تنكيل فاعلة؛ حيث ترتب على انقطاع الرواتب منذ عام 2016 دفع مئات الصحفيين نحو العوز أو الهجرة المهنية، بالتزامن مع مصادرة مقرات الصحف وتحويلها إلى منابر للدعاية الموجهة. أما على صعيد الفضاء الرقمي، فقد شهد عامي 2024 و2025 تغلغلاً للرقابة التقنية عبر تشريعات "مكافحة الجرائم المعلوماتية"؛ وهو ما أفضى بدوره إلى ملاحقة الناشطين وحجب ما يربو على 200 موقع إخباري، مما حول البلاد إلى منطقة ثقب أسود معزولة معلوماتياً.

الاستهداف النوعي والتشظي المؤسسي

وعلى نحوٍ متصل، واجهت الصحفيات اليمنيات "استهدافاً مزدوجاً" عبر حملات تشويه السمعة الممنهجة، بهدف تقويض حضورهن في الحقل العام. ويقترن هذا التدهور بحالة من الشلل النقابي والمؤسسي، لا سيما عقب التضييق الممنهج على نقابة الصحفيين اليمنيين في عدن وصنعاء، الأمر الذي أدى في المحصلة إلى تجريد الصحفي من أي غطاء قانوني أو نقابي فاعل. وفي حين تتحمل جماعة الحوثي المسؤولية الكبرى عن انتهاكات الاعتقال والمحاكمات، إلا أن مناطق سيطرة الحكومة والمجلس الانتقالي شهدت بدورها ملاحقات مماثلة، فضلاً عن التهديد القائم من الجماعات المتطرفة، كما هو الحال في ملف الإخفاء القسري للمصور محمد المقري.

مأزق العدالة وإفلات الجناة

وختاماً، يكمن التحدي الجوهري في "ثقافة الإفلات من العقاب" التي باتت تميز المشهد اليمني وتشرعن قمع الحريات. ورغم جسامة الأرقام المرصودة واضطرار 70% من الكوادر الصحفية للنزوح، إلا أنه لم يثبت حتى الآن تقديم أي من المتورطين للمساءلة القانونية. بناءً على ما تقدم، يظل استمرار هذا الوضع استنزافاً للحقوق الحريات، مما يفرض ضرورة ملحة لتأسيس آليات جنائية دولية تضمن عدم إفلات الجناة من العقاب، إذ تظل دماء الصحفيين اليمنيين شاهداً على حربٍ لم تكتفِ باستهداف الجغرافيا، بل سعت بضراوة لكسر الإرادة وتكميم الأفواه.

الكلمات الدلالية