صنعاء 19C امطار خفيفة

اليمن بين وهم الدولة وواقع المحسوبية والارتهان للخارج

تكمن جذور الأزمة اليمنية في أن فشل الدولة لم يكن نتاج حرب السنوات الأخيرة فقط، ولا نتيجة نقص التمويل أو غياب الخطط، بل هو نتيجة تراكم طويل لبنية سياسية تأسست خارج مفهوم الدولة الحديثة فالسلطة في اليمن لم تُدار لعقود وفق مؤسسات مستقرة وقواعد قانونية واضحة، وإنما عبر شبكات من المحسوبية، والمساومات، وتبادل المصالح بين مراكز النفوذ المختلفة.

وخلال هذه المرحلة، تحولت السياسة من مسؤولية عامة إلى أداة لإدارة الامتيازات وتوزيع المكاسب فأصبحت المناصب الحكومية، والتعيينات العسكرية، والإيرادات العامة، وموارد الدولة، وسائل لترسيخ الولاءات السياسية والاجتماعية، بدلاً من توظيفها في التنمية أو تحسين حياة المواطنين ومن هنا نشأت طبقة سياسية تنظر إلى الدولة باعتبارها مورداً قابلاً للتقاسم، لا ككيان يجب بناؤه وحمايته.
كما ارتبط النفوذ في اليمن تدريجياً بالقدرة على السيطرة على الموارد الحيوية، مثل الجمارك، والموانئ، والأراضي، واحتكارات الاستيراد، ومسارات الإنفاق العام ومع الوقت، أصبحت هذه الموارد هي الأساس الحقيقي للقوة، بينما تراجعت المؤسسات الرسمية إلى واجهات شكلية لا تملك القرار الفعلي.
ولم تقف الأزمة عند حدود الفساد الداخلي، بل تعمقت أكثر بفعل الارتهان المزمن للخارج، حيث اختارت قوى يمنية عديدة أن تجعل بقاءها مرتبطاً بدعم إقليمي مباشر فظهرت نماذج ولاء شبه كامل لهذا الطرف أو ذاك، سواء تجاه الإمارات العربية المتحدة أو المملكة العربية السعودية أو إيران، وغيرها من القوى التي وجدت في الانقسام اليمني فرصة لتوسيع النفوذ وتحقيق المصالح.
وبدلاً من أن تكون العلاقات الخارجية داعمة للدولة اليمنية، تحولت في كثير من الأحيان إلى رافعة لأطراف محلية متصارعة، تستخدم التمويل والسلاح والإسناد السياسي لتعزيز مواقعها في الداخل وهكذا أصبح بعض الفاعلين اليمنيين أكثر ارتباطاً بحسابات الخارج من ارتباطهم بالمصلحة الوطنية، ما عمّق الانقسام وأضعف فكرة السيادة والدولة الجامعة.
كما أخطأت كثير من الأطراف الدولية في قراءة طبيعة المشهد اليمني، حين اعتقدت أن الاتفاقات السياسية الموقعة بين القيادات كافية لإنتاج الاستقرار غير أن الواقع اليمني أكثر تعقيداً، إذ إن السلطة لا تُصنع فقط في القمم السياسية، بل تتشكل يومياً عبر شبكات النفوذ المحلية، والقوة المسلحة، والتحالفات المتغيرة، والسيطرة على مصادر الدخل في المحافظات والمناطق المختلفة.
ولهذا فإن الفساد وسوء إدارة الموارد لا يمكن التعامل معهما كأخطاء إدارية عابرة، بل هما جزء من آلية حكم متجذرة استفادت منها النخب المسيطرة لسنوات فاستمرار تدفق الأموال والمكاسب إلى هذه الشبكات، سواء من الداخل أو عبر الرعاة الخارجيين، هو ما يضمن بقاءها، ولذلك تقاوم أي إصلاح حقيقي قد يهدد مصالحها أو يعيد توزيع السلطة والثروة بشكل عادل.
إن أي حديث جاد عن مستقبل اليمن يجب أن ينطلق من هذه الحقيقة الأساسية لا يمكن بناء دولة جديدة بالأدوات القديمة نفسها، ولا يمكن تحقيق الاستقرار من خلال تدوير النخب ذاتها أو استبدال ارتهان بآخر فالإصلاح الحقيقي لا يعني فقط تقديم الدعم المالي أو إعادة هيكلة شكلية للمؤسسات، بل يتطلب تفكيك منظومة المحسوبية، واستعادة القرار الوطني المستقل، وإخضاع الموارد العامة للمساءلة، وإعادة تعريف السياسة كخدمة وطنية لا كسوق للمصالح والنفوذ.
وما لم يحدث تغيير عميق في هذه البنية، فإن الأزمات ستستمر بأشكال مختلفة، وستُعاد إنتاج الصراع مهما تبدلت التحالفات والشعارات، لأن أصل المشكلة سيبقى قائماً دون معالجة.

الكلمات الدلالية