الحمدي وحقيقة اغتياله (6)
في الحلقات السابقة وردت أسماء عدد كبير من المتهمين والمشاركين في جريمة اغتيال الرئيس إبراهيم محمد الحمدي؛ إذ أوردت التقارير أحمد حسين الغشمي -نائب الرئيس يومها، وأخاه محمد حسين الغشمي، والرائد علي عبدالله صالح، وورد في التقارير اسم شخص آخر من بني حشيش يدعى محمود مانع، وكذلك ورد اسم شخص آخر يدعى الحاوري، وهذا صار في ما بعد قَائِدًا للشرطة العسكرية.

وقد وردت روايات كثيرة تحكي عن قصة مقتل الحمدي؛ وكلها تتفق على وجود هؤلاء الأشخاص في مسرح الجريمة.
وفي رواية قائد الفرقة الأولى مدرع الفريق علي محسن صالح، أفاد أنَّ الرائد علي عبدالله صالح كَانَ مُشاركًا رئيسيًّا في مقتل الحمدي. والمعروف أنَّ علي محسن الأحمر كان من رجال علي عبدالله صالح في بداية استلام صالح للسلطة.
وهناك روايات أخرى اتهمت الملحق العسكري السعودي في تلك الفترة العقيد صالح الهديان. وهذه الرواية أكدها علي عبدالله صالح نفسه في مقابلة نشرتها قناة «اليمن اليوم»؛ إذ قال: إنَّ الحمدي قتلته السعودية بإشراف مباشر من ملحقها العسكري في صنعاء يومها العقيد الهديان.
وجاء في المقابلة أنَّ صالح الهديان صَوَّرَ مشهد تصفية الرئيس الحمدي وأخيه عبدالله الحمدي، في منزل أحمد الغشمي.

وأفاد صالح بأنَّ السلطات السعودية تحتفظ بفيديو يوثق هذه الجريمة. وفي مقابلة علي صالح وَجّهَ التهمة للسعودية، ولم يشر إلى المشاركين في الجريمة لا من قريب ولا من بعيد. ولأن علي محسن الأحمر كان في يوم من الأيام رجلًا من أركان نظام صالح في فترة كان الجميع يعملون تحت إشراف مباشر من السعودية، ووصل الأمر بالطرفين أن تبادلا الاتهامات في فترة وصلت الأمور بين الرجلين إلى مفترق طرق، ووصل الأمر بعلي عبدالله صالح أن وجه الاتهام للسعودية مُباشرةً في فترة تحالفه مع الحوثيين عند دخولهم صنعاء.
وقبل فترة قصيرة من مقتل صالح على يد من تحالف معهم ضد من جاءت بهم ثورة فبراير إلى السلطة، وضد من أوصلتهم مخرجات الحوار إلى السلطة، كانت السعودية صاحبة اليد الطولى في صناعتها باعتبارها صانعة الحوار المفضي إلى حوار شامل سبقته مبادرة خليجية تبنتها السعودية، وكان من أهم بنودها نقل السلطة سِلميًّا بتوافق جميع الأطراف، بمن فيهم شباب ثورة فبراير.

وَلأنَّ علي صالح كان يعتبر السعودية هي من أجبرته على الموافقة لتسليم السلطة لنائبه، وفي خضم ما جرى، وَخُصوصًا بعد انضمام علي محسن الأحمر وبيت الأحمر إلى الساحات، ظهرت اتهامات متبادلة بين علي صالح والأطراف المؤيدة للثورة الشبابية.
وعلى العموم، كان من إيجابيات هذه الثورة أن أظهرت الأطراف المشاركة في إزاحة الحمدي عن المشهد السياسي؛ حقائق أيدت كل ما نشر من تقارير صحفية وأخبار وتكهنات.
واتفق الجميع أنَّ السعودية كانت حاضرة في المشهد بشهادة طرف كان في يوم من الأيام أحد المنفذين للجريمة، إضافةً إلى ما تَمَّ جمعه من روايات رجال تلك المرحلة، مع «تقارير ويكيليكس»، التي أشار إليها وإلى تفاصيلها الصحفي اليمني الأمريكي منير الماوري، في صحيفة «المصدر»؛ إذ أوردت تلك التقارير كثيرًا من الأطراف المشاركة في الجريمة؛ وَخُصوصًا من كانوا في ساعة تنفيذ الجريمة متواجدين في منزل الغشمي.
وهؤلاء كانوا في مقدمة الصَّفِّ المشارك بالجريمة، كما أوردت كثير من المذكرات أنَّ هناك صفًّا آخر أشرف عليه أمير نجران خالد السديري، بتوجيه من الأمير سلطان بن عبدالعزيز -وزير الداخلية السعودي، والمشرف المباشر على الملف اليمني؛ وأعني بذلك المشايخ الذين كانوا على خلاف مع الرئيس الحمدي منذ الأشهر الأولى لصعوده إلى رئاسة الجمهورية العربية اليمنية.
وقد أورد الشيخ سنان بن عبدالله بن صالح أبو لحوم، في مذكراته، قصة خلافه هو وعبدالله بن حسين الأحمر، ومجاهد أبو شوارب، مع الرئيس الحمدي، لأسباب ذكرتها المذكرات مفصلة.
وقد تحدثت مذكرات الشيخ سنان أبو لحوم عن حقائق لم يُشَر إليها في بقية المذكرات، ومذكرات الشيخ عبدالله بن حسين الأحمر لم تكن بمستوى مذكرات الشيخ سنان أبو لحوم التي كشفت وثائقيًا كثيرًا من التفاصيل.

وعلى العكس، كانت مذكرات الأحمر التي اعتمدت على ذاكرة صاحبها، ولم تتحدث عن تفاصيل جريمة اغتيال الحمدي بإسهاب، واختصرت كُلَّ القضية في خلاف بين مشايخ اليمن الكبار القريبين جدًّا من السعودية والمعادين للتجربة الاشتراكية في اليمن الجنوبي؛ الأمر الذي أدى إلى اقتراب الرئيس سالم ربيع علي من الرئيس الحمدي.

كما أنَّ العامل الخارجي، وَخُصوصًا العامل الدولي، وانعكاس صراعات الحرب الباردة، أثرت على الواقع اليمني شمالاً وجنوبًا، والخلافات الداخلية، وحفزت الكارهين لحكم الحمدي من المشايخ، مضافًا إليهم دخول ضباط الجيش الكبار على الخط، وفي مقدمتهم الغشمي. فقد كان الإقليم الموجه أمريكيًا، وعلى رَأسهم السعودية، يتوجسون خِيفةً من الزحف الشيوعي على المنطقة، قَادمًا من الجنوب الذي جعل جميع المشاركين في قتل الحمدي قضية القضايا.
وفي آخر المطاف، وخلاصة الكلام، فالداخل المتمثل بالقوى التقليدية والعسكرية المدعومة من دول المحيط، أو بالأصح دول الجوار، وكذلك القوى الإقليمية والدولية بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية ومن يدور في فلكها؛ كل هؤلاء شاركوا في قضية مقتل الحمدي، وإبعاده من المشهد السياسي بطريقة دموية دراماتيكية يعرفها القاصي والداني.
ما يثير الغرابة لدى المتابع ظهور صُنَّاع محتوى في وسائل التواصل الاجتماعي، مُؤخرًا؛ وهؤلاء للأسف الشديد اتهموا ضباطًا كبارًا موالين للحمدي؛ وهذا يثيره من تورطوا في الجريمة، والغرض من ذلك خلط الأوراق وتضليل الرأي العام، وإلهاؤه عن التعاطف مع الحمدي.
وفي الحلقة القادمة سأتطرق للمواضيع التي حاولت تضليل الجماهير وحرف بوصلة التعاطف، مع ذكر أصحابها والمتهمين بالمشاركة؛ وهم ممن لا علاقة لهم بالجريمة لا من قريب ولا من بعيد.