صنعاء 19C امطار خفيفة

قياصرة الدكاكين وأقزام الشوارع: صراع الهوية اليمنية في أمريكا

سوسيولوجية الدكان في الثقافة اليمنية

لم يكن أحمد يحمي أمواله فقط من خلف الزجاج المصفح للرصاص في زقاق مدينة بروكلين. حتى وهو يراقب حركة الزبائن ويقوم بترتيب علب الكولا وأوراق اليانصيب، ويرمق العابرين الذين يمضون كالأشباح. ظل هو قابعًا خلف البرزخ الأسمنتي، مختبئًا بين الرفوف، متواريًا عن ضجيج نيويورك الصاخب.


إنه الدكان، الوطن البديل، والشرنقة التي يختبئ بداخلها اليمنيون من صقيع الحداثة ورياح الاندماج والتغيير. هناك حيث تأسست سوسيولوجية فريدة من نوعها (سوسيولوجية الدكان)، المكان الذي لا يحميه فقط، بل يفصله عن عالم لا يفهمه، ولا يريد أن يفهمه. والركن الذي صنع من المهاجر عملاقًا في قريته ومسقط رأسه في اليمن، وقزمًا يختبئ بين أزقة مانهاتن. فهل كان الدكان حصنًا للهوية، أم أنه زنزانة اختيارية حكمت على جالية بكاملها العيش في الظل؟

الدكان -آلية دفاع عن الهوية

الدكان في العلوم الاجتماعية -وكما ذكرها عالم الاجتماع العراقي علي الوردي في كتاباته- يشير إلى التقوقع على الذات والانغلاق لحماية ملاذه الهوياتي. والهوية في الدكان اليمني، ليست إرثًا فقط أو حالة عابرة، بل هي فعل يقاوم فيها باستمرار ضد المحو ومغالبة الذوبان مع الآخر. لقد تجاوز كونه وحدة تجارية أو وظيفة مادية ليصبح محرابًا ذاتيًا يمارس فيها طقوسه وكينونته، ومعسكرًا أنطولوجيًا يحمي فيه جوهره من التبدد بين معادلات الاستهلاك العالمي الذي لا يراه إلا عابر سبيل. ونتيجة هذا الانحباس برزت ثلاث نقاط محورية هامة في تاريخ المغترب اليمني:
أولاها وأهمها الجمود: لقد تحولت الهوية الغارقة في حنينها من تجربة تفاعلية مع محيطها، إلى أيقونة متجمدة وساكنة تهتز خوفا من التجديد، وأضحى الدكان متحفًا شخصيًا يعيد فيه إنتاج نفسه ومجتمعه وتدوير ذكرياته.
ثانيتها النكوص الدفاعي: وهو الرجوع إلى الوراء، وفي مدرسة التحليل النفسي لفرويد يعني العودة لسلوكيات وأنماط قديمة لتجنب مواجهة الحاضر. وبدلًا من المثاقفة والمواجهة، اختار اليمني الانغلاق في داخل دكانه الأكثر أمانًا، وما الاندماج -في نظره- إلا تهديد مباشر له ولهويته حاملًا أعراف قريته البسيطة وإرث منشئه على كتفيه، وغرسها على رصيف نيويوركي متصلب شديد الصرامة، وهذا يفسر استنكار الكثيرين بتأخر المغترب اليمني في أمريكا مقارنة ببقية المهاجرين في دول العالم.
ثالثتها الصراع الداخلي والتخبط الزمني: يقف الدكان هنا كشاهد عيان على صراع نفسي بين الدفء الذي يمنحه الانغلاق والعزلة، ورعب الاكتشاف الذي يمنحه له مجتمع متعدد الثقافات متنوع الأجناس. وهكدا، بقي اليمني سجينًا في منطقة رمادية وسطى، بين الوطن الذي لم يغادره، والمهجر الذي لم يدخله تمامًا.

الدكان والسيادة

لقد كان الدكان بمثابة إقطاعية رمزية يمارس فيها سيادته الكاملة بعيدًا عن تعقيدات المهجر. هنا، هو سيد المكان ومالكه، ولم يكن بحاجة إلى مهارات إدارية أكاديمية أو مجاراة الأنظمة الأمريكية، ولا حتى لإتقان اللغة بشكلها المتفرع. لقد منحه الدكان لقب بزنس مان، وهو اسم له وجاهة اجتماعية رفيعة في الثقافة اليمنية تفوق لقب الموظف مهما على شأنه، وبهذا خلق اليمني لنفسه بيئة يسهل عليه السيطرة عليها، ليرمم شعوره بالدونية في عالم حداثي شديد المنافسة، وأشبع فيها نهمه ورغبته لنيل الوجاهة بين أبناء بلده. ومن هنا نشأت عصبية الدكان (التوظيف والتمويل)، فالقريب يوظف قريبه، والناجح يقرض الوافد حديثًا، مما خلق نظامًا تكافليًا مغلقًا ومنغلقًا على ذاته، وغارقًا داخل أسوار الطائفة الواحدة. ومما رفع نسبة الأمان جاء فخ المال السهل، فالعمل لساعات طويلة كان الدكان فيه يدر دخلًا ماديًا وسريعًا، أهمل فيها المهاجر تنميته الذاتية أو إكمال دراسته. وأصبح العائد السريع هو العدو الرئيسي للطموح الأكاديمي والمعرفي والانخراط المجتمعي.
ومع الوقت استحال الدكان من الحصن المنيع إلى كمين، فبينما امتلأت خزائنه بالدولارات وربح معركة البقاء المادي، خسر التحليق في فضاء الولايات المتحدة الشاسع والمهول، وفقد تجربة هذه القارة الرحبة.

الدكان وهم العودة

استقر المهاجر اليمني في أمريكا بجسدٍ حاضر، ولكن بعقلية "مُسافر"، مسكونًا بحلم العودة  التي جعلت من وجوده في أمريكا مجرد مرحلة عابرة على رصيف العمل. بالنسبة له، لم تكن أمريكا وطنًا للاستيطان، بل كانت "منجمًا" يُستنزف لصالح إعمار بيوتٍ وعقارات في الوطن البعيد؛ بيوتٌ بُنيت لتكون مستقرًا لرحيلٍ أخيرًا، ظل في معظم الحالات حلمًا مؤجلًا لا يأتي ولا يقترب. ففي الوقت الذي كانت فيه الجاليات الأخرى تخوض معاركها في نشر هويتها في المناصب وعلى الشاشات، كان اليمني منغمسًا في معركته الخاصة بين الثلاجات والرفوف والتراكم المالي. لم يكن هذا الغياب نتاج كسل أو خمول، بل استراتيجية اختباء اختيارية من الأسئلة الوجودية حول الهوية والانتماء (ومن أنا في هذا السباق العالمي). وقد يعود هذا إلى الخلفيات التي انطلق منها الآخرون، فقد كانت بداياتهم مهيأة تجاريًا أو تعليميًا، بينما اليمني يبدأ من الصفر تمامًا، مما جعل رحلة خروجه من الدكان والولادة إلى الواجهة العالمية تتطلب منه أعمارًا كاملة، وتعاقب جيل أو جيلين. لقد استثمر اليمني في الحجر هناك في الوطن ليعود إليه مزهوًا سيد مكانه، وأهمل البشر هنا في المهجر، فكان هامشيًا مهملًا خارج حدود المنافسة.
لكن، أدت الحرب الأخيرة في اليمن إلى انهيار الثوابت القديمة. وتراجع معها حلم الاستقرار في الوطن الأم. وتحطم زجاج الدكان المغمور، فانتقل من استراتيجية "الاختباء خلف الكاونتر" إلى استثمار "الوجاهة" الجديد كدرعٍ تحمي وجوده الجديد، وكسر شرنقته لبناء حضور اجتماعي ملفت.
وبين جيل يرى الدكان زنزانة، وآخر يراه حصنًا، يقف المهاجر اليمني في أمريكا على حد فاصل بين أمان توفره العزلة، واندماج محفوف بالمخاطر.

الكلمات الدلالية