نظرة في بيت شعري ورد للقاضي علي بن محمد العنسي
لا زلت أتعجب من القاضي العلامة علي بن يحيى العنسي- صاحب أغنية «وادي الدور»، وغيرها من القصائد الحمينية الرائعة التي تجعله في مَصافّ الأدباء اليمنيين الذين أجادوا نسج هذا الفن الشجي بمهارة وعذوبة فائقة، وَعبَّروا عن عواطفهم ومشاعرهم برِقَّة مُذيبة ومدهشة.
هذا العالم العبقري أتقنَ اللهجات اليمنية بسبب توليه القضاء في كثير من المناطق اليمنية؛ ومنها: لهجة العدين، ولهجة تهامة.
وَكَتبَ في العُدَين خالدته «وامغرد»، أظهرَ فيها حنينه المتواصل لصنعاء- معهد صباه، وموطن أهله وأحبابه وأترابه.
وقد غناها فَنَّانون يمنيون كُثُر، ابتِداءً من القعطبي، وأحمد فتحي، وأيوب طارش، وطه فارع، إلى أنْ كَانَ ختام مسكها بغناء الفنان أبو بكر سالم الذي يُعدُّ بِحقّ مُطَوِّر الأغنية الصنعانية؛ بعد أن أقنعه الفنان الموسيقار أحمد فتحي بمشروع تجديدها وتطويرها، وَقَدَّم لهُ جُملَةَ أعمال؛ عَمِلَ على توزيعها وإخراجها له؛ فكانت منها هذه الأغنية، و«أحبَّة رُبَا صنعاء»، و «وامعلق بحبل الحُبّ»، والأغنية الأخيرة «رسولي» التي أسدى -بنسبتها إلى صاحبها: حيدر آغَا- الأستاذ القدير الدكتور إبراهيم أبو طالب جَمِيلاً وَصَنيعًا لا يُنكَر لعُشَّاق الحميني اليمني، وذلك بإرجاعها إلى صاحبها؛ ذلك الشاعر والموسيقي اليمني البارع ذي الأصول التركية، بعد أن ظلت مَجهولة النسبة لِعدِّة عُقُود؛ لِتقفَ مع شقيقتها «حَوى الغُنجْ» عَلى ذروة إبداع الحميني اليمني، مع تحقيقه لديوانه الذي أرجو أن أفرغ للكتابة عنه.
وكان من أشهر أغاني العنسي حمينيته التهامية التي اشتهرت بغناء الفنان الكبير محمد مرشد ناجي، وغناها أيضًا بعده أحمد فتحي مطلع الثمانينات. وفي هذه الغنائية أبدى العنسي تَذمُّرَهُ وَشَكواه مِنْ حَرِّ تهامة، وَعَبَّرَ عن اشتياقه لصنعاء ونسيمها البارد المنعش؛ وهي:
شابوك انا وامرفاق بُكرَهْ
أرض امجبلْ ما نُبا امساحِل
=لا زلت أستغرب قول العنسي -وَلَعلَّهُ كَانَ أسُلوبًا قَديمًا في تعبير التهامي عَفَّى عليه الزمن- في صدر هذا البيت:
وازخم مَا شَا ولادَيرَكْ
دير امجبل – والنبي- قصدي
ورُبَّمَا كان الأقرب والأنسب له أن يقول:
وازخمْ مَا شَاشْ انا ديرك
فإنَّ العبارة التي جاء بها غريبة التركيب، ولا يُفهَم معناها إلا بشيء من التكلف وتقدير الحذف- حذف المفعول. فَكأنَّ محبوبة العنسي سألته: هل تريد شَربة ماء؟
فأجَابها قَائلاً:
وازخم (ياحلو) لا أريد شَيئًا منك ولا حتى السكن بديرك- موطنك.
والتهامي عندما يريد أن ينفي نَفيًا مُطلَقًا عند غضبه أو حنقه، حين تسأله زوجته وتقول له:
هل تريدغَداءً؟
فيجيب: ما شى ولا فُتَّه!
أي لا أريد أيَّ شيء، ولو كان حَتَّى مِقدارًا ضئيلاً تَافهًا. والتعبير عن الفتة -بِضَمِّ الفَاء، وتشديد التَّاء-؛ يعني النَّفي المطلق. لأنَّ الشيء القليل التافه والعدم سواء. وهذا مثل قول فيروز:
والجيب ما فيشْ ولا مليم..
وكنت قد استغربت، وأنا أسمع المرشدي يغنيها؛ فَظننت أنَّ القصيدة تحرفت، لكني حين عدت إلى الديوان، رأيتها هي هي..
نعم، البيت الذي يغنيه المرشدي:
عميت من امَّاي وانا عَطشَانْ
وامعق ما يشفي امغُلِّهْ
= هذا البيت غير موجود في ديوان العنسي المطبوع بالقاهرة عام 1381هـ، بالمطبعة السلفية، بعناية وتحقيق الأديب والشاعر الأستاذ يحيى بن منصور بن نصر -رحمه الله-؛ فَلعلَّهَا من زيادات النُسَّاخ.