أزمة الحب في زمن الحرب
صورة انشأت بالذكاء الإصطناعي
الحب في زمن الحرب من يحكم العلاقة الحب أم الضغوط وظروف الحرب بالأصح من يفوز بالماتش؟ تحاول الكاتبة عمل بحث سوسيولوجي في هذا الإطار فهالها ما وجدت، لذا رأت أن تشارككم نبذة بسيطة.
سوسيولوجيا الحب في الحرب: في المجتمعات المستقرة، يُنظر إلى الحب كخيار حر ورفاهية عاطفية، لكن سوسيولوجيا الحروب تكشف وجهاً مغايراً تماماً. فالحرب ليست مجرد صراع مسلح، بل هي "زلزال بنيوي" يعيد صياغة المشاعر الإنسانية لتتلاءم ومنطق البقاء.
في زمن الحرب يتحول الحب من رومانسية حالمة إلى عقد أمني، وتتحول العاطفة من غاية إلى وسيلة للاستمرار وسط الخراب، ساعد الانهيار الاقتصادي والمؤسساتي الذي تفرضه الحرب كعامل لتراجع العاطفة بفعل الضغط المعيشي، لتنحو العلاقة داخل الأسرة منحى سلبي فتزايد عدد حالات العنف في الوسط الاجتماعي، فكثيراً ما نسمع بأن أحد أفراد الأسرة أنهى حياة أسرة بكاملها.
بدوره الحب العذري اختفى ليحل محله حب الضرورة وتسليع المشاعر، هنا لا يبحث الفرد عن نصفه الآخر بقدر ما يبحث عن ملاذه الآمن وخاصة النساء، أصبح الزواج كآلية دفاع فنلاحظ طفرة في حالات الزواج السريع (أو الاضطراري) في مناطق النزاع، فيُستخدم الارتباط كوسيلة للحماية القانونية أو الستر كما في المصطلح العامي.
فتتآكل المعايير لتسقط الطبقية والاعتبارات الجمالية أمام معيار القدرة على التدبير في الحرب، "البطل" ليس الوسيم أو ابن النسب الراقي أو ذو الخلق والدين، بل من يمتلك الوقود من يمتلك المال من أستطاع الإفلات من العقاب القسري واللجوء إلى بلد أخر.
هكذا أصبحت العلاقات رهينة للحالة الاقتصادية الكارثية، فقد أدى انهيار الاقتصاد إلى وصول البطالة بين الشباب إلى 38%، وتحويل الزواج من مشروع حياتي إلى رفاهية غير مقتدر عليها، يتجلى ذلك في اشتراط الآباء حصول الخاطب على وظيفة ثابتة - وهو أمر نادر - مما يحول العلاقة العاطفية إلى معاملة اقتصادية بحتة.
هل بمقدور المرء أن يحب دون أن يخسر من يحب في اللحظة التالية؟ تؤدي الحرب إلى ما يسميه علماء الاجتماع بـ "تذرر المجتمع" هذا التفتت يجعل الإنسان يشعر بأنه وحيد في مواجهة الحياة الصعبة وحالة اليأس وحتى الموت، مما يخلق نوعين متناقضين من الحب: الأول الحب المكثف: حيث يتم التشبث بالشريك بجنون خوفاً من الفقد المفاجئ، فتصبح العلاقة خانقة لأنها محملة بعبء الوداع المستمر. والثاني البلادة العاطفية: وهي آلية دفاعية نفسية يطورها الأفراد لتجنب ألم الفقد. هنا يتجنب الناس الدخول في علاقات عميقة لأن "كلفة الحزن" أصبحت أعلى من أن تُحتمل.
من جانب أخر الحرب عبثت بالهياكل البطريركية (الأبوية)، فانقلبت الأدوار الجندرية وتصدعت "القوامة" التقليدية، لأنه حين يذهب الرجال إلى الجبهات أو يغيبون قسرياً، تضطر النساء لقيادة المجتمع اقتصادياً واجتماعياً، بل إنه حين استلقى الرجل مكتئباً تاركاً مصير حياة العائلة للعجز والعوز تصدرت أغلب النساء المشهد لتعيل أسرتها وتطعم صغارها وسط مجتمع عالي الخطورة، فنلاحظها تصدرت أغلب المهن التي كانت حكراً على الرجل فمحلات الباعة طغى عليها الكادر النسائي، الكافيهات والمطاعم الصغيرة وبوفيهات الجامعات والتسويق ومندوبة مبيعات ... وغيره.
قد يظنها البعض أزمة رجولة، فالرجل الذي فقد عمله أو منزله يشعر بالعجز العاطفي والاجتماعي تجاه شريكته وأولاده، مما يولد توترات تصل لحد العنف المنزلي ليس كتعويض عن فقدان السلطة في البيت والشارع، بل كتصريف للضغط النفسي، مما يولد أزمة حب.
بدورها المرأة التي تذوقت طعم الاستقلال المالي في الحرب لم تعد تقبل بصيغ الحب التقليدية القائمة على التبعية، مما يخلق فجوة تواصلية في حياة أطراف العلاقة، وبالإضافة إلى ثورة مواقع التواصل الاجتماعي والمسلسلات يدخل العالم المتخيل للحب والذي قد يدمره واقع ظروف الحرب ليطرح الجميع أمام تحدي فرص النجاة، ليدفن الكل مشاعره مرغماً.
ولا يختلف كثيراً عن ذلك زمن الشتات والنزوح، أصبح الحب عبر الشاشات هو النمط السائد، فالأسرة تجمعها البرامج التكنولوجيا، ليصير هذا الحب مفتقراً إلى العاطفة التي تتحول إلى نصوص وصور، مما يسهل عملية الاستبدال بالنماذج الجاهزة. في الحرب يصبح الفرد مجرد "بروفايل" قد يختفي فجأة بانقطاع الإنترنت أو بغارة جوية، مما يجعل العلاقات هشة وسريعة العطب.
وحين تمزق الحرب الجغرافيا، تنشأ "الأسرة العابرة للحدود" حيث يصبح البيت مجرد مجموعة واتس آب، والعاطفة بيانات رقمية تحاول ترميم ما دمره الواقع، ومن المفارقات السوسيولوجية الصادمة أن الكثير من العلاقات التي صمدت لسنوات رقمياً تنهار فور التقائهما لا لشيء غير إنها عادت للواقع.
الخلاصة: إن أزمة الحب في زمن الحرب ليست في غياب المشاعر، بل استسلام للضغوط وتشوه في الدوافع، فنحن أمام إنسان "منهك" يحاول استعادة إنسانيته عبر الآخر، لكنه يصطدم بواقع أن الآخر نفسه كتلة تحارب لتعيش.
والحب في الحرب هو مقامرة وجودية؛ إما أن يكون هو الرابط الأخير الذي يمنعنا من التحول إلى وحوش، أو يكون القيد الذي يكسر ظهورنا حين يرحل الشريك تحت الأنقاض، فالحرب لا تقتل الأجساد فقط، بل تفكك المعنى المشترك للعاطفة، وتحول الحب من سكينة إلى صراع أخر.
وهو في اليمن اليوم أكثر من مجرد عاطفة؛ إنه فعل بقاء، ومقاومة يومية لليأس، ومحاولة يائسة للحفاظ على إنسانيتنا في وجه آلة التدمير. دراسة أزمته هي دراسة لكيفية تحول الحرب من صراع على الأرض والسلطة إلى حرب على المستقبل نفسه، على قدرة البشر على الحلم والارتباط وبناء معنى للحياة وسط الركام.