فبراير بين الحلم والاختطاف
في فبراير 2011 خرج اليمنيون إلى الشوارع حاملين شعوراً بالحرية رافعين شعار "إسقاط النظام". لم يكن هناك تصور لما بعد إسقاطه لا خطة واضحة للدولة الجديدة ولا رؤية لطبيعة النظام البديل. الغموض السياسي ترك الساحات فارغة فملأتها قوى منظمة حزبية وعسكرية وقبلية ودينية تستثمر الفراغ قبل أن يصل الشباب إلى أي اتفاق على مستقبل الوطن. كثيرون لاحقًا قالوا بصراحة: كانت ثورة ضد شيء لا ثورة من أجل شيء.
الأحزاب التقليدية خصوصاً الإصلاح واللقاء المشترك دخلت الساحات متسلحة باسم الثورة ومتحالفة مع مراكز قوى قديمة في النظام، من علي محسن إلى مشايخ قبائل ورموز عسكرية. تحولت الساحات من فعل احتجاجي حر إلى ورقة ضغط في صراع نخب، وعسكرة الثورة صارت حقيقة واقعة. الجيش انقسم مبكراً والساحات التي يفترض أن تكون فضاء مدنياً أصبحت مناطق نفوذ مسلح. هذا المنطق الدموي سهّل لاحقاً تبرير الانقلابات والحروب باسم الشرعية الثورية.
القضايا البنيوية المهمة غيبت. القضية الجنوبية ظلت ملفاً مؤجلاً وحروب صعدة لم تُفهم في سياقها التاريخي. الخطاب الثوري ظل مركزياً بصنعاء أكثر منه وطنياً شاملاً. المبادرة الخليجية قدمت كحل انتقالي لكنها أنقذت رأس النظام أكثر مما فككت سلطته، وأعادت إنتاج النخبة نفسها بأسماء جديدة ووهبت الحصانة لعلي عبدالله صالح في خيانة صريحة لدماء الضحايا.
الثورة لم تنتج قيادة شبابية موحدة. غاب التنظيم الثوري، وبدل أن يكون الشباب فاعلين سياسيين ظلوا وقوداً رمزياً. الخطاب الأخلاقي المتمثل في النقاء الثوري والطهر الأخلاقي سيطر على المشهد بينما الاقتصاد والدولة والعدالة الانتقالية تحولوا إلى مواضيع ثانوية. السياسة أصبحت شيئاً مدنساً تاركة المجال لمن لا يتحرج منها. والنتيجة كانت انهيار الدولة بعد 2011 وتفكك المؤسسات وصعود جماعات مسلحة استغلت الفراغ. الثورة كسرت الدولة قبل أن تبني بديلاً.
بعد إسقاط النظام سعت الجماعات المسيطرة إلى الاستحواذ على المؤسسات والمناصب ما أدى إلى سياسة المحاصصة وزيادة الاحتكاكات مع القوى الأخرى وخلق أزمة ثقة مع الشعب. جماعة الإخوان لم تكن استثناء فقد استغلت الثورة لتوسيع نفوذها الحزبي والسياسي أكثر من الاهتمام بالمطالب الشعبية. شباب الساحات كانوا صوتاً حراً بينما الإصلاح حول الثورة إلى أداة لمصالحه. التعاون مع القوى الأخرى كان ضعيفاً والخطاب الديني المبالغ فيه لتبرير التدخل السياسي أضعف البعد المدني للثورة وأسهم في الانقسامات.
ثورة فبراير لم تفشل لأنها طالبت بالحرية وإنما لأنها لم تحمِ السياسة من أعدائها وأصدقائها معاً. كانت لحظة أخلاقية صادقة أُديرت بسذاجة سياسية واختطفت في بلد لا يرحم الفراغ.