صنعاء 19C امطار خفيفة

إلقاء الضوء على تاريخ اليمن حتى ظهور الإسلام

إضاءة على تاريخ اليمن القديم:

دلت المراجع والمصادر، أن اليمن تعتبر من أقدم مراكز الحضارة في العالم القديم، ازدهرت كمركز تجاري بين الشرق والغرب، واشتهرت بإنتاج وتصدير اللبان، والمر، والبخور، عبر طريق البخور البري والبحري.. ناهيك عن سيطرة اليمنيين على طرق القوافل، وتاجروا بالذهب، والأحجار الكريمة، والمنسوجات، مع مصر والهند والعراق، مما جعلهم يتمتعون برخاء اقتصادي كبير.

ذكرت "سبأ" في بعض نقوش حضارة ما بين النهرين في نص "سومري" يعود إلى حوالي 2500 ق.م، أي منذ منتصف الألفية الثالثة قبل الميلاد.

وقدر علماء آثار ومستشرقون بأن الحضارة اليمنية تعود الى زمن أبعد.. وقد دلت بعض الدراسات، أن الحضارة اليمنية سبقت الحضارتين البابلية والفرعونية، وتعايشت معهما من التبادلات التجارية، وبناء السدود والمعابد.

أشهر ممالك اليمن القديمة (سبأ، معين، حضرموت، قتبان، معين، ذو ريدان، وحمير)، ويعود إليها الفضل في تطوير إحدى أقدم الأبجديات في العالم المعروفة بخط المسند وهندسة السدود، فسد مأرب هو أحد أشهر السدود القديمة في التاريخ، بناه السبئيون في القرن الثامن قبل الميلاد، لإدارة مياه الأمطار وري المزارع.. ويعد معجزة هندسية قديمة، انهار في القرن السادس الميلادي، وتفرق أبناء سبأ إلى جميع مناطق شبه الجزيرة العربية، ومصر، وشمال إفريقيا... الخ.

وجد تفاعل حضاري بين اليمن مملكة سبأ -مأرب والحبشة، وهجرات يمنية قديمة وتأثيرات مشتركة في اللغة والديانة (الوثنية ثم التوحيد).

وفي هذا الصدد، توثق نقوش المسند والمدونات الكلاسيكية فترات سيطرة سبئية/ حميرية من مأرب إلى أكسوم في الهضبة الحبشية، وهناك أيضًا نفوذ معاكس من أكسوم إلى اليمن. وقد استعان الملك سيف بن ذي يزن بالفرس لطرد الأحباش من اليمن، وبخاصة بعد انهيار سد مأرب، وضعف الممالك اليمنية (سبأ وحمير). تطور النفوذ الفارسي ليتولى إدارة شؤون اليمن قبل الإسلام، وآخر حكامهم باذان بن ساسان الذي أشهر إسلامه.

أبرز ملوك وشخصيات اليمن قبل الإسلام:

المكارب (عصور الكهانة والسياسة) لقب اتخذه حكام سبأ الأوائل مثل كرب إيل وتر.

ملوك سبأ وذو ريدان منهم:

- ملكة سبأ التي ورد ذكرها في القرآن الكريم، في سورة سبأ.

- أسعد الكامل (أبو كرب أسعد) من الذين وحدوا اليمن.

- ذو نواس (يوسف آسار).

- ذمار علي يهبر يهصدف (100م-175م) من أعاظم ملوك سبأ وذو ريدان، رمم سد مأرب، وأحد الملوك الذين سكوا العملة.

- المللك شمر يهرعش (255م-312م)، وحد اليمن، وازدهرت في عهده.

- الملك سيف بن ذي يزن الحميري (516م-574م).

يجدر التنويه، بأن لقب "التبابعة" أطلق على ملوك اليمن القديم، وأن ملوك اليمن أول من لبس التيجان.

"أين الملوك ذوو التيجان من يمن

وأين منهم أكاليل وتيجان"

من الجدير بالذكر، إن عدد النصوص والكتابات، والشواهد الأركيولوجية في اليمن، أكثر من باقي مناطق شبه الجزيرة العربية، وهي كما يلي:

1. تجمع المصادر والوثائق، بأن اليمن تاريخيًا يحدها من الشمال الحجاز، واليمامة، ونجد، ومن الجنوب خليج عدن، وبحر العرب (البحر اليماني)، ومن الشرق مضيق هرمز، ومن الغرب البحر الأحمر.

2- وصف المؤرخ الأصمعي حدود اليمن: "اليمن" وما اشتمل عليه حدودها بين (عمان) إلى (نجران) إلى (عدن) إلى (الشحر) حتى يجتاز (عمان) فينقطع من (بينونة)، و(بينونة) بين (عمان) و(البحرين) وليست (بينونة) من اليمن، وقيل: حد اليمن من وراء (تثليث) وما سامتها إلى (صنعاء)، وما قاربها إلى (حضرموت) و(الشحر) و(عمان) إلى (عدن أبين) وما يلي ذلك من (التهائم) (النجود) (واليمن تجمع ذلك كله).

3- ذكر الحسن بن أحمد الهمداني في كتابه "جزيرة العرب والإكليل"، أن حدود اليمن من (وادي تثليث) و(وادي الدواسر) و(العبلاء) في الشمال، وشرقًا إلى (عمان) وجنوبًا إلى (عدن) وألحق بها غربًا (الجزر المحاذية في البحر الأحمر وتهامة)، وجنوبًا بحر العرب (البحر اليماني).

4- باحثون مصريون (مركز الدراسات):

اليمن هي تلك الأرض الواقعة جنوب/ وجنوب شرق/ وجنوب غربي الجزيرة العربية، تمتد من تخوم مكة شمالًا، إلى بحر العرب جنوبًا، ومضيق هرمز شرقًا، إلى تخوم كاظمة (الكويت حاليًا).

وجد في الكتابات السبئية القديمة ذكر اليمن بلفظ (يمنة) و(يمنات)، وأيضًا بلاد البركة، وما زاد من بركتها بناء الكعبة المشرفة، ووقوعها بيمين الكعبة.

ذكرت اليمن في الكثير من الكتب القديمة والتاريخية، منها التوراة، وكتب التاريخ الإغريقي، والروماني... الخ، ووصفت باليمن السعيدة، ولم توصف أية أرض في الدنيا بهذا الوصف، لتمتعها بوفرة في المياه والخضرة، ولطبيعتها الخلابة، ولأرضها الخصبة التي باركها الله، ولأنها أرض لمعظم الأنبياء، وأنصار الأنبياء، ولتعدد حضاراتها المهمة في تاريخ البشرية، ولدورها، وبيوتها وقصورها الفخمة، ولجسارة وقوة شعبها الذي صنع من الجبال قصورًا شامخة، ومن الطين ناطحات سحاب، ومدرجات زراعية في قمم الجبال الشاهقة.

تعد اليمن -بحسب الكتب التاريخية المختلفة، وبحسب ما توصل له العلم مؤخرًا- الموطن الأول للجنس البشري على الأرض، ونقطة التجمع والانطلاق الأولى للهجرات البشرية.. كما "تعتبر مهد العرب الأول، ويعود نسب اليمنيين إلى يعرب بن قحطان بن هود عليه السلام، أبو العرب، وقد عاش في الفترة 8062 قبل الميلاد، وهو أول من كتب اللغة العربية القديمة.

قمين بالذكر، أن قبر النبي هود -عليه السلام- في إقليم حضرموت، يعتبر مزارًا.

تشير الروايات التاريخية والأنساب إلى أن يعرب بن قحطان، هو أخ لكل من حضرموت وعمان.

قبائل اليمن

اشهر قبائل اليمن (عاد، وثمود، وطسم، وجديس، وجرهم، والعمالقة وأميم... الخ)، وهي قبائل العرب القديمة التي انتشرت في الجزيرة العربية، والعراق، والشام، ومصر، وشمال إفريقيا، والقرن الإفريقي... الخ.

هجرة القبائل اليمنية

هاجرت القبائل اليمنية من أرض اليمن تجاه الشمال، وسكنت في الشام، ونشأ منها الشعب الشهير (الفينيقيون)، الذين أنشأوا الحضارة الفينيقية، وكذلك هاجرت قبائل اليمن إلى مصر، وسكنت على ضفاف النيل، وأنشأت ما سميت الحضارة الفرعونية الغنية عن التعريف، وهناك العديد من الكتابات، والكتب التاريخية التي أوضحت أصول شعب مصر القديم ومنها: "جغرافية التوراة" للباحث في علم الآثار أحمد عيد، وتقديم الأستاذ الدكتور أحمد الصاوي، عالم الآثار المصري والأستاذ بكلية الآثار جامعة القاهرة، وطبع لأول مرة في فبراير عام 1996م، في مركز المحروسة للبحوث والتدريب والنشر بالقاهرة، حيث أعاد الكاتب أصل الفراعنة إلى قبيلة (العماليق) التي هاجرت من اليمن إلى الشام، ومن ثم هاجر بعضهم إلى وادي النيل، وسكنوا مصر، وأشارت كتب أخرى، إلى أن الهجرة اليمنية لمصر مرت عبر الحبشة وليس بالشام، وخلاصة ما نشر في هذا الموضوع أن لقب "فرعون" أصله باللغة العربية السبئية القديمة "فرعوم"، وأن "الهكسوس" الذين حكموا مصر فترات طويلة قدموا كذلك من اليمن، وسموا الملوك الرعاة، كما أن الحضارة المصرية لا تنفصل عن بيئتها المحيطة المكونة من مجموعة من القبائل اليمنية التي سكنت وادي النيل والصحراء الليبية الكبرى وشمال إفريقيا وموريتانيا.

قبيلة جرهم اليمنية الشهيرة هي أول من سكن بأرض مكة، وهي من آوت نبي الله إسماعيل ابن النبي إبراهيم، عليهما السلام، وأمه هاجر..

وقد تزوج النبي إسماعيل عليه ألسلام، من قبيلة جرهم اليمانية ومن ذريتهما جاء عدنان بن أدد جد العرب العدنانيين، من نسل إسماعيل بن إبراهيم عليهما السلام، وهو الجد العشرون لنبي الله محمد عليه الصلاة والسلام، ويعد عدنان أقصى نسب يربط النبي محمد صلى الله عليه وسلم، باليمن عند النسابين. لذلك يقول: "أهل اليمن هم مني وأنا منهم"، وغيرها الكثير من الأقوال المأثورة عن النبي محمد صلى الله وسلم، والتي يشير فيها إلى علاقته بأهل اليمن.

ذكرت اليمن في القرآن، وحملت سورتين من سور القرآن أسماء مناطق فيها "سبأ، والأحقاف". سبأ امتدت من مأرب شمالًا إلى شبوة جنوبًا، والأحقاف في حضرموت شرقًا، ووصف الله اليمن بأنها جنة، وبلدة طيبة، ولم يطلق على أية أرض هذا الوصف في القرآن غير اليمن.

أﻫﻞ ﺍﻟﻴﻤﻦ، أﻫﻞ ﺍﻟﺒﻼﻏﺔ والفصاحة، ﻟﻤﻌﻮﺍ ﻓﻲ ﺍﻟﻌﻠﻢ ﻭﺍﻟﻤﻌﺎﻧﻲ، ليس هنا مجال لحصرهم، وﻫﻢ ﺃﻫﻞ ﺍﻟﺤﻜﻤﺔ ﻭﺍﻟﻜﺮﻡ.. ﻭقد ﺷﻬﺪ ﻟﻬﻢ ﺍﻟﻘﺮﺁﻥ ﺑﻘﺼﺔ "ﺇﺭﻡ"، ﻭﻟﻬﻢ ﺛﻼﺙ ﺁﻳﺎﺕ ﻓﻲ ﺍﻟﺤﺮﻡ!

ﺃﻫﻞ ﺍﻟﻴﻤﻦ كما قيل، ﻟﻮ ﺳﻠﻜﻮا ﺷﻌﺒًﺎ ﻭﺳﻠﻚ ﺍﻟﻨﺎﺱ شعبًا ﻟﺴﻠﻚ ﺍﻟﺮﺳﻮﻝ ﺷﻌﺒﻬﻢ ﻭﻫﻢ ﺍلأﻧﺼﺎﺭ، وهم أﺧﻮﺍﻝ ﺍﻟﺮﺳﻮﻝ ﺍﻟﻤﺨﺘﺎﺭ، ﻭﻣﻨﻬﻢ ﻣﻌظﻢ ﺍﻟﺼﺤﺎﺑﺔِ الأخيار ، وهم أصل العرب، وﺳﻨﺪ ﺍﻟﺮﺳﻮﻝ، ﻭﻫﻢ ﻋﻮﻧﻪ ﻭﻣﺪﺩﻩ، كما قال عنهم النبي محمد رسول الله: "أتاكم أهل اليمن هم أرق أفئدة وألين قلوبًا، الإيمان يمانٍ والحكمة يمانية". وهو ثناء عظيم على أهل اليمن، في ذلك الوقت، ويقصد بهم أهل الإيمان والصلاح.

جوهر القول، يسعدني أني قدمت أعلاه معلومات عن اليمن القديم حتى ظهور الإسلام، استنادًا إلى مصادر ومراجع باحثين.. وسأواصل كتابتي حول تاريخ اليمن حتى الوقت الراهن...

وبالنسبة لما يتردد في هذه الأيام من معلومات مغلوطة من قبل قلة من المجتمع، أود أن أصحح ما يتداولونه في القنوات الإعلامية من أخبار مضللة، لا تمت بصلة إلى الواقع..

ومن هذا المنطلق، أقدم الملاحظات الآتية:

- إن بعض الإخوة في جنوب اليمن، يروجون حاليًا للمشروع الاستعماري البريطاني للجنوب اليمني، تحت تسمية دولة "الجنوب العربي"، ومحاولة فصل المنطقة في كيان سياسي قائم بذاته. وهو المشروع الاستعماري الفاشل من بداية الترويج له في نهاية الخمسينيات ومطلع الستينيات من القرن العشرين، وذلك عند قيام ثورة 14 أكتوبر 1963م ضد الاستعمار البريطاني..

مع العلم أن المشروع عاد من جديد في عقول فئة صغيرة من المجتمع اليمني، بتشجيع خارجي، وازداد خطره في السنوات الأربع الأخيرة، على بلدان المنطقة: اليمن، وعمان، والسعودية خاصة، والأمن القومي العربي عامة.. وتكمن خطورة المشروع -حسب المراقبين- في أن دولة الإمارات تبنت هذا المشروع من خلال مليشياتها الانفصالية المحلية اللاشرعية، وعملت جاهدة بالمال والعتاد غير المحدود لإنجاح المشروع، وكان على مقربة من التحقيق، وإعلان مليشياتها عن الانفصال، بقيام "دولة الجنوب العربي"، بعد إحكام سيطرتها على محافظتي حضرموت والمهرة، في ديسمبر 2025م، يعقبه اعتراف إسرائيل بالدولة الجديدة، وبالتزامن مع الاعتراف الإسرائيلي بإقليم "أرض الصومال" المطل على خليج عدن.. وشاء قدر الله أن ينقذ الموقف في النصف الساعة الأخير، إذ أدركت السعودية خطورة الموقف، وأعلنت بحكم قيادتها للتحالف العربي لدعم الشرعية، وبموافقة د. رشاد محمد العليمي، رئيس المجلس الرئاسي، عن طرد المليشيات الانفصالية، والاستغناء عن خدمات دولة الإمارات في التحالف العربي لدعم الشرعية.. وبالتالي، زال الخطر الداهم على المنطقة، وتنفس الشعب اليمني الصعداء في جميع المناطق اليمنية شمالًا وجنوبًا... وكل أملنا، الحفاظ على اليمن من المخططات الخارجية في زمن لا يرحم الضعيف، وهي أمانة في عنق كل يماني أبي.

"وللأوطان في دم كل حر

يد سلفت ودين مستحق"

الكلمات الدلالية