مساجد القرى
ذكرياتنا مع المساجد بدأت من مسجد القرية؛ ذلك البناء الطيني أو الحجري البسيط الذي كان يتسع لقلوبنا الصغيرة أكثر مما يتسع لأجسادنا النحيلة. فيه تعلّمنا الصلوات وسائر العبادات، وتعلّمنا الإنصات "مَن لغَا فلا جمعة له"، وأن تخطّي الرقاب ليس بطولة في الزحام، بل قلة أدب في حضرة الجماعة.
في مسجد القرية كان الصف المستقيم أول درس عملي في فكرة العدل والنظام: كتف إلى كتف، لا فرق بين ابن الشيخ وابن الرعوي، ولا بين الغني ومن جاء بثوب مُرقّع.
لكننا لم نكن ملائكة أيضًا. صلّينا أحيانًا بلا وضوء، وصلّينا أنصافَ نيام نحارب التثاؤب كما نحارب وسوسة الشيطان، لعبنا وشاغبنا، وتبادلنا الضحكات المكتومة بين تكبيرة وأخرى، ثم تلقّينا التقريع والتوبيخ.
مسجد القرية كان أول مكان اكتشفنا فيه معنى الرهبة والطمأنينة معًا: رهبة الصوت حين يرتفع صوت المؤذن وقارئ القرآن، وحين يقول الخطيب: "استووا، اعتدلوا"، وطمأنينة السجود حين يلامس الجبين الأرض فنشعر -دون أن نفهم- أن الإنسان لا يكبر إلا حين ينحني. هناك تعلّمنا أن الصمت ليس جهلًا وضعفًا، وإنما امتلاء روحيًا خفيًا مع الله؛ وأن الجسد إذا انتظم في العبادة قد يقود إلى استقامة القلب، أو هكذا كنا نعتقد ونرجو.
مسجد القرية كان مختبرًا صغيرًا لفكرة نشوء الجماعة، كيف يتحوّل الأفراد إلى "نحن" في لحظة تكبير جماعية؟ وكيف يذوب الضجيج الشخصي في إيقاع واحد؟
كبرنا، وتشتتنا في الوطن وخارجه، لكن مسجد القرية بقي في الذاكرة أكثر صفاء من صور كثيرة تلاشت، لأنه لم يكن مجرّد مكان للصلاة؛ كان مدرسة أولى للروح، وساحة لاختبار البراءة، ومرآة صغيرة رأينا فيها أنفسنا كما كنا: أطفالًا يتعلّمون السير في طريق وعرة إلى الله والروح والسماء.