11 فبراير.. ثورة الشباب المسروقة
حين انضممتُ إلى ثورة الحادي عشر من فبراير، كان عمري واحدًا وثلاثين عامًا. في هذا العمر كنت قد قبّلت الكثير من الآمال والطموحات. كنت أحلم أن أصبح مخرجًا سينمائيًا، لا من أجل ذاتي فقط، بل لأحمل بلدي وتراثه وحضارته إلى العالم، أن أقول: نحن هنا، لنا حكاية، لنا صورة، لنا صوت. لكن الدولة، والجهات المعنية، لم تستجب لتلك الأمنية الغالية، ولم ترَ في الحلم سوى عبء، وفي الطموح سوى خطر.
لذلك حزمت حقيبتي. لم أضع فيها الكثير من الأمتعة بقدر ما وضعت فيها حقيبة الوطن: صنعاء وتعز وعدن والحديدة، وضعت أصدقائي، وضعت الشوارع، المقاهي، الوجوه، وضعت نفسي كما كنت، وسافرت إلى مصر.
في مصر درست دراسة حرة لمدة عامين وستة أشهر. عملت وكافحت؛ كنت أستقبل يمنيين، أساعدهم في السكن، في العقارات، في الشراء، في المرافقة، مقابل أجر بسيط، إلى جانب عملي في إحدى شركات التصدير. كنت أتعلم الحياة كما أتعلم السينما، أتعلم كيف يكون الإنسان غريبًا لكنه صامد، وكيف يمكن للحلم أن يعيش حتى في الغربة.
وحين عدت إلى اليمن، عدت بشهادة جميلة وأنيقة، مكتوب فيها أسماء كبار المخرجين والكتاب والمصورين المصريين الذين تتلمذت على أيديهم. عدت وأنا أظن أن المعرفة تفتح الأبواب، وأن التعب لا يضيع.

وضعت أوراقي على مكاتب الجهات المعنية، فهُوِّرت وطُوِّرت ثم هُدِّدت. عاد اليأس يملأ أفقي وسمواتي وأرضي. ولم أكن وحدي؛ كثيرون كانوا مثلي: من أراد الغناء، أو المسرح، أو البحث العلمي، أو الابتكار، أو الصناعة، أو الاختراع. لم يكن يحوم فوق الوطن سوى السياسة، سياسة عمياء، جائعة، تنهش كل ما هو حي، وتخنق كل ما هو جميل.
في تلك اللحظة التاريخية، كان اليمن يغلي. فساد متراكم، بطالة، إقصاء، توريث للسلطة، احتكار للثروة، وتهميش كامل للشباب. كان جيل كامل يشعر بأنه زائد عن الحاجة في وطنه. فجاءت فكرة الحادي عشر من فبراير، لا كقرار حزبي، بل كصرخة إنسانية.
كنت من أوائل الشباب الذين قفزوا إلى الساحة، حرفيًا وفعليًا وفكريًا. لم أذهب متفرجًا، ولا خطيبًا، ولا باحثًا عن منصب. حملت كاميرتي، صديقتي الوحيدة، وأشعلت بها أولى شرارات التوثيق. واجهت الرصاص، المطاردة، رسائل التهديد. صوّرت كل شيء: العيون المرتجفة، الأيادي المرفوعة، الخوف، الشجاعة، الأمل.

شباب كانوا يصرخون: الوطن، الثورة، الأمان، السلام، الحقوق، الحرية. لم تكن تلك الكلمات شعارات محفوظة، بل كانت صرخة جوع وكرامة ووجود. بُثّت تلك الصور في قنوات كثيرة دون مقابل، لأن الفكرة كانت أكبر من المال. حملتها إلى مراسلين وصحفيين، كان معظمهم أصدقائي.
في الشهور الثلاثة الأولى، كنا ننظم أنفسنا بعفوية نادرة. كل واحد كان لديه عمل ورؤية. كانت الساحة مدرسة مفتوحة: نقاشات، أفكار، أحلام عن دولة مدنية، عن عدالة، عن مستقبل لا يُقاس بالقبيلة ولا بالسلاح.
ابتكرت فكرة تصوير فيلم عن الثورة من الداخل. دخلت الخيام، المنتديات، الحلقات النقاشية. كنت أبحث عن السؤال الحقيقي: ماذا يريد هؤلاء الشباب؟ كيف يتخيلون وطنهم؟ كيف يمكن للثورة أن تكون فعل بناء لا مجرد هدم؟
لكن ما حدث بعد ذلك كان الانكسار الكبير. دخلت الحركة الثورية قوى سياسية منظمة، ادّعت أنها جاءت لدعم الشباب، لكنها في الحقيقة جاءت لتديرهم، وتستخدمهم، وتفرغ الثورة من مضمونها. درست ضعفنا، بساطتنا، قلة خبرتنا، غياب الدعم الحقيقي لنا. استولت على الساحة، وأعادت إنتاج الوجوه ذاتها التي خرجنا ضدها أصلًا.
انسحبنا تدريجيًا. بعضنا صمت، بعضنا هاجر، بعضنا انكسر من الداخل. بقينا نكتب، نتكلم، نحذر، لكن الصوت كان أضعف من آلة السياسة.
رأيت جمعة الكرامة. عشتها حرفيًا. رأيت الشهداء يسقطون أمامي في جولة كنتاكي وفي ساحة الجامعة. رأيت أمهات يصرخن، وشبابًا يهرعون، ودمًا يختلط بالتراب. في تلك اللحظة فهمت أن الدم لا يكذب، وأن من يساوم عليه لا يمكن أن يكون ثوريًا.
وفي المقابل، رأيت ساسة أكثر طغيانًا، وأكثر براعة في التمثيل، ممن خرجنا ضدهم. قلت لأصدقائي يومها: لن تكون هناك ثورة، بل التفاف سياسي. سيجعلوننا جسرًا، ثم يحرقونه بعد العبور.
خمسة عشر عامًا مرّت. الثورة لم تقم بعد. من ركبوا موجتها غادروا البلاد، عاشوا في أمان، امتلكوا الفلل والسفريات. أبناؤهم الذين كانوا أطفالًا صاروا شبابًا، أما شباب الساحات الحقيقيون فصاروا كهولًا يحملون الخيبة.
ومع ذلك، لا يمكن إنكار الحقيقة: الحادي عشر من فبراير كان الصرخة الأولى لجيل كامل. كان كسرًا لحاجز الخوف، وكان أول مرة يقول فيها الشباب: لا. وهذه الـ "لا" لا تموت، حتى لو كُتمت.
هذه الصرخة ستعود، لكن بشكل آخر، وبوعي أعمق. وستكون مهمتنا نحن، من عشنا التجربة، أن نحكي الحقيقة كاملة: عن الحلم، عن الخطأ، عن الخيانة، عن الذئاب التي ترتدي أقنعة الثورة.
سنخبرهم كي لا يُسرقوا مرة أخرى، كي لا يُستخدموا وقودًا لمشاريع غيرهم. لعلهم، ذات يوم، يجدون وطنًا لا يطرد أبناءه، وطنًا يفتح ذراعيه للأمان، والحرية، والسعادة.