الصحافة تودع ذاكرتها الرصينة
عبدالحليم سيف رجل عاش للمهنة أكثر مما عاش لنفسه واشتغل على النص والوثيقة كما يشتغل من يعرف أن الصحافة ذاكرة وأن ما يُكتب على عجل يسقط سريعاً. كان يرى الصحافة فعلاً تراكمياً ويعرف أن الجملة الدقيقة تعمّر أكثر من العناوين الصاخبة، وأن الأثر الحقيقي يتكوّن ببطء يشبه تشكّل الوعي في المجتمعات الحية.
من عدن إلى موسكو، ومن مركز الدراسات والبحوث إلى غرف تحرير صحيفة «الثورة»، ظل وفياً لفكرة الصحافة باعتبارها مسؤولية أخلاقية قبل أن تكون ممارسة يومية. بدا في عمله أقرب إلى عامل منجم ينزل عميقاً في النص وفي الوثيقة وفي الأرشيف، لذلك بدت كتابته أقل صخباً وأكثر رسوخاً. كتابة تعرف أن الزمن قارئ قاس وأن ما لا يُكتب بإتقان يُفضح لاحقاً.
قرأ الصحافة اليمنية كتجربة إنسانية وسياسية مركبة تحمل أخطاءها وأسئلتها معاً. ابتعد عن المعارك الصغيرة واقترب من الأسئلة التي تبقى. علّم أجيالاً معنى الدقة والانضباط، وترك خلفه كتباً وأرشيفاً وشهادة زمن تستعصي على التعويض.
في كتابيه «نشأة الصحافة في اليمن» و«40 سنة صحافة: الثورة، النشأة والتطور»، قدّم سردية واسعة لتاريخ الصحافة اليمنية بوصفها مرآة لتحولات المجتمع والسياسة. تحوّل الكتابان إلى مرجعين أساسيين لكل من أراد فهم تشكل الصحافة اليمنية ومساراتها المعقدة.

كان يؤمن أن الصحافة علاقة أخلاقية مع المجتمع وأن احترام القارئ يبدأ من احترام الحقيقة. لذلك ارتبط اسمه بالرصانة والبحث والتوثيق حتى مع تبدل الأزمنة واختلاط المعايير. بدت كتاباته سجلاً وطنياً مفتوحاً، يضع الحدث في سياقه ويمنح الوقائع وزنها الحقيقي دون تزويق أو تهريج ليبقى ما يُكتب قابلاً للاستدعاء حين يختلط كل شيء.
اختار الدقة في زمن السرعة والمشي الهادئ في بيئة تكافئ المواقف الحادة. كان يعرف أن الحقيقة لا تحتاج دائماً إلى رفع الصوت بل إلى تثبيت القدم. اشتغل على التوثيق كما لو كان يبني جداراً أخيراً في بيت آيل للسقوط، حجراً فوق حجر بصبر ودون استعراض.
عاش سيف قريباً من الأسئلة الكبيرة، بعيداً عن الضجيج العابر. لم ينشغل بمن انتصر بقدر انشغاله بما سيبقى. لذلك حضر اسمه بين الصحفيين كشاهد ومرجع أكثر من حضوره في صخب المنصات.
عبدالحليم سيف باحث كتب بضمير المؤرخ وترك وراءه أرشيفاً وكتباً وأجيالاً تعلّمت منه معنى المهنة. اسمه يختصر زمناً من الصحافة اليمنية حين كانت الكلمة شاقة والحقيقة مكلفة والالتزام خياراً يومياً لا شعاراً.