فضلاً.. أعيدوا قراءة المشهد
لما نقول: فضلًا، أعيدوا قراءة المشهد،
فلمن نقول؟
نقول لمن يتحملون مسؤولية وطن يعيش لحظة مخاض؛ ناتجها إمّا تضافر جهود الوعي السياسي لصياغة مقومات وأسس صحيحة ومتينة قابلة للبقاء، لوطن قابل للعيش المشترك ومتّسم بالتماسك، أو العكس تمامًا.
إنها محطة من أصعب ما مرّ به الوطن، أرضًا وبشرًا، في مراحل صراعاته البينية، حيث تتبدّى ملامح قطيعة مع التاريخ والجغرافيا والسياسة، وتتجلى جسامة المخاطر التي تلوح في الأفق القريب، لا البعيد.
للأسف، تأتي هذه اللحظة الفارقة مترافقة مع غياب العقل الجمعي الوطني، بين مظاهر إعادة تشكّله خارج السياق الوطني، أو كأن عملية غسل دماغ قد جرت. وكلا الأمرين قادا ويقودان إلى صراعات جانبية خارج ما تبقى من توافقات وطنية، لتطفو على السطح عناوين مغامِرة، بعيدة عمّا توافقت عليه الإرادات الوطنية المستقلة، التي بات لزامًا عليها التحرك العملي والفعّال لتحديد سبل وآفاق رحلة المستقبل، بعيدًا عن عشوائية الخيارات التي تعصف بما تبقى من ترابط وطني عليل، وانقسامات جيوسياسية تهدد وحدة ومصير شعب وبلد عانى ويعاني الأمرّين من سياسات منفلِتة، تتولاها قوى أكثر انفلاتًا وعدم انسجام.
سياسات وممارسات على الأرض تمس جوهر ومعنى الانتماء الوطني، حتى بات الأمر وكأننا نعيش داخل كانتونات، لا وطنًا موحدًا.
من هنا، وجب القول لمن بيدهم الأمر:
فضلًا، أعيدوا – بوعي ومسؤولية تاريخية – قراءة ما نحن فيه، للوصول إلى بديل أفضل، لا تعلو فيه الخطابات على ممارساتٍ على الأرض، أسوأ ما يعبّر عنها أنها تتسم بالغلو والتطرف.
غلوٌّ وتطرّف يندرجان تحت مفاهيم "إكليروس" متعصّب، سواء كان مناطقيًا كما ظهر في مشروع الانتقالي، أو مذهبيًا كما يتبدّى في خطاب الحوثي غير الوطني. وكلا الخطابين نهجان مستبعدان ومرفوضان وطنيًا، يسهمان عمدًا وبشكل ممنهج في سحق ما تبقى من مرتكزات المشروع الوطني التاريخي للدولة العادلة؛ الدولة القادرة على تهيئة سبل الوصول إلى دولة المساواة، ودولة المواطنة المتساوية، وسيادة القانون، ووحدة مؤسسات الدولة، لا مؤسسات الشيخ أو الزعيم أو المنطقة أو القبيلة.
نرى، معكم يا من بيدكم القرار، أن الأمر ليس بالسهولة التي يُعبّر عنها الكلام. نعم، الواقع صعب، لكن استمرار ما نحن عليه لا ينبغي أن يكون قدرنا. المطلوب فعلٌ مؤثر على الأرض، إن كنا نمارس السياسة حقًا، لا مجرد جبر خواطر لأطراف وقوى تتحاصص مقاليد بلدٍ مهدد بالانهيار.
الكل مطالب بممارسة مهام السياسة الحقة:
عمل جماعي وطني، أولًا للتوافق على حلول وآليات عمل.
وكما يقال: على قدر أهل العزم تأتي العزائم.
وهنا نسأل: أيّ عزم نريد؟
وما وسائل تحقيقه على الأرض؟
ليس مطلوبًا القفز على جوهر الإشكال التاريخي، المتمثل في صراع هويات، يعلو فيه – للأسف – خطاب الهويات على الخطاب الوطني. وهنا تصبح المهمة بالغة الصعوبة ما لم ينطلق مشروع رؤية وطنية، يتأسس على ما يلي:
أولًا: تبني وثيقة مشروع وطني، قد تكون منطلقه مخرجات مؤتمر الحوار الوطني الشامل، قبيل الانقلاب عليها، مع إمكانية إضافة العناصر الجوهرية للقضية الجنوبية، وتأثيرات حرب 1994، ومراجعة حقيقية لمعنى الشراكة، بعيدًا عن التكفير والتهميش.
وبموازاة ذلك، يجب الابتعاد عن غلوّ بعض الخطابات التي تروّج لمخاطر ما يسمى بـ"اليمننة"، وهو تعبير لا مكان له في تاريخ الحركة الوطنية اليمنية، إذ ينسف سياقًا تاريخيًا ممتدًا وثابت الشواهد.
كما لا بد من الابتعاد عن خطابات الاستعلاء، سواء كانت مناطقية أو مذهبية، فهما خطابان دمّرا البلاد والعباد، ولا يمكن تحت سقفهما بناء شراكة حقيقية أو دولة مواطنة متساوية.
إن القضية الجنوبية ليست مطلبية، بل سياسية بامتياز، لكنها لا تُعالج أيضًا من موقع إكليروسي متطرف يدمّي الوطن بأكمله. وهو مخاض صعب، لكنه ليس مستحيلًا إذا ما أُحسن وطنيًا قراءة القضية، بعيدًا عن التعصب، ورفض مبدأ الفرض.
ومن المهم كذلك استبعاد أي محاولات للقفز على واقع البلاد، شمالًا وجنوبًا، ومعرفة منبع وأصل المشكلات، وأسباب الاستعصاء التي حالت دون المعالجة، ووضع حلول قابلة للتنفيذ، بوعي ومسؤولية تاريخية، خاصة في ما يتصل بتعقيدات القضية الجنوبية.
أما سؤال: كيف؟
فالجواب واضح: بالحوار، والحوار الحقيقي فقط.
لكن وبصراحة، فإن مؤشرات ما جرى مؤخرًا في الرياض لم تكن مشجعة؛ إذ بدا المشهد كمن يصب الزيت على النار، بدل أن تكون الخطوات الأولى مدخلًا تاريخيًا لحوار يفتح آفاقًا وطنية جامعة، تُغادر مأزق التشكيك ولغة الشحن، وتواجه الأزمة بوصفها نتاجًا لواقع تاريخي مأزوم، لا بد من نقده ومعالجة عناصره كافة.
نختم بالقول:
بلادنا اليوم عند مفترق طرق، وسؤال "نكون أو لا نكون" يفرض نفسه. إما كيان وطني قوي، منزّه عن العصبيات والاستعلاء بكل مسمياته، أو استمرار في دوامة التفكك.
المشهد معقّد، والمؤشرات الأولى لإعادة تشكيل الحكومة – كأداة تنفيذ – توحي بأن لغة المصالح الضيقة ما تزال حاضرة، وأن قوى لم تغادر مفاهيم الوصاية والاحتكار، تمارس الإكليروس الوظيفي، المناطقي والمذهبي والحزبي، الذي شكّل جوهر الأزمة المزمنة، ليس داخل الشرعية فقط، بل في مختلف الكيانات التي أنهكت البلد.
إنها لحظة تاريخية نأمل أن يخرج الوطن وشعبه منها بأقل الخسائر، وصولًا إلى محطة استقرار دائمة، لوطن يبحث عن الأمان، والاستقرار، والتنمية.
وهو ما نرجوه ونأمله.