الانتظار كأيديولوجيا للهروب
في كل منعطفٍ دمويّ يمرّ به الشرق الأوسط، تتكرّر الظاهرة نفسها تقريبًا: عودة مكثّفة لخطاب «آخر الزمان»، وانتشار تأويلات قسرية للنصوص الدينية، ومحاولات محمومة لليّ أعناق الآيات والأحاديث كي تبدو وكأنها نزلت خصيصًا لتفسير ما يجري الآن وهنا. هذه الظاهرة ليست جديدة، بل يمكن تتبّعها بوضوح منذ بدايات حرب الولايات المتحدة على العراق عام 1991، حين شاعت كتب مثل عمر أمة الإسلام، وراجت سرديات تَعِدُ الناس بانقلابٍ كونيّ وشيك، ونصرٍ إعجازيّ قادم، ومخلّصٍ سيظهر ليعيد ترتيب العالم دون أن يُطلب من الناس سوى الانتظار.
من التفسير إلى التخدير الجماعي
المشكلة لا تكمن في الاهتمام الديني أو في محاولة فهم الواقع من منظور عقدي، فهذا حقّ مشروع ومكوّن أصيل في وعي المجتمعات. الإشكال الحقيقي يبدأ حين يتحوّل هذا الخطاب إلى مخدّرٍ جماعي، يُستخدم – عن قصد أو عن غير قصد – لتعليق الفعل الإنساني، وتعطيل العقل، وتبرير العجز. عندها لا يعود «الغيبي» مصدر إلهام أخلاقي، بل يصبح بديلاً زائفًا عن العمل، وساترًا نفسيًا يخفف وطأة الهزيمة من دون أن يعالج أسبابها.
في كل حرب، في كل أزمة، في كل انهيار، يبرز الصوت ذاته:
لا جدوى من التخطيط، ولا معنى للبناء، ولا حاجة للعلم، فالأحداث «مقدّرة»، والنصر «آتي»، والتاريخ على وشك أن ينقلب لصالحنا بفعل معجزة خارقة. والنتيجة أن يغيب السؤال الأخطر: لماذا نحن في هذا الموقع أصلًا؟ ولماذا نعيد إنتاج المأساة نفسها جيلاً بعد جيل؟
السنن الكونية: ما نغفل عنه عمدًا
ما يُهمل في هذا الخطاب هو جوهر الفكرة الدينية نفسها: السنن الكونية. فالنصوص التي يُستدعى بعضها لتبرير الانتظار، تزخر في الوقت ذاته بنداءات واضحة للعمل، والسعي، والأخذ بالأسباب، وبناء القوة، وإعمار الأرض. التاريخ الإنساني – بلا استثناء تقريبًا – يُظهر أن التحوّلات الكبرى لم تحدث لأن أمة انتظرت المعجزة، بل لأن شعوبًا قرّرت أن تفهم قوانين الواقع، ثم تعمل وفقها بصبرٍ طويل.
الدول التي تُضرب اليوم مثالًا في التقدّم لم تكن أفضل منا في الموارد، ولا أعمق في الإيمان، ولا أصفى في النوايا. لكنها فهمت قاعدة بسيطة:
العلم يسبق القوة، والعمل يسبق النصر، والمؤسسات تسبق الشعارات.
انتظار المخلّص أم صناعة الإنسان؟
فكرة «المخلّص» – بصيغها الدينية أو السياسية – تُغري المجتمعات المنهكة، لأنها تعفي الفرد من مسؤوليته، وتُلقي عبء التغيير على كيان غامض سيأتي يومًا ما. لكنها في الواقع تُنتج إنسانًا سلبيًا، يرى نفسه شاهدًا على التاريخ لا صانعه.
المفارقة أن أكثر النصوص الدينية عمقًا لا تبشّر بإنسانٍ منتظر، بل تُحمّل الإنسان نفسه مسؤولية المصير: علمًا، وعملاً، واستخلافًا. فلا نهضة بلا جامعات، ولا سيادة بلا مختبرات، ولا استقلال بلا مصانع، ولا كرامة بلا زراعة تُطعم الناس من أرضهم.
أين يجب أن تتجه البوصلة؟
إذا كانت هناك دعوة صادقة تُستحق أن تُرفع في زمن الأزمات، فهي ليست دعوة انتظار، بل دعوة إعادة توجيه البوصلة:
إلى الجامعات بدل المنابر الشعبوية.
إلى مراكز البحث بدل غرف التنجيم السياسي والديني.
إلى المختبرات بدل نشرات الفزع.
إلى المصانع بدل خطاب المؤامرة الدائم.
إلى الزراعة وتعمير الأرض بدل الارتهان للاستيراد والصدقات.
الشعوب التي سبقتنا لم تنتظر نهاية العالم كي تبدأ، بل بدأت كي تغيّر موقعها فيه.
سيقول بعضهم: لن يُسمح لنا أن نصبح أقوياء. وهذا – في حقيقته – عذرٌ أقبح من ذنب، لأنه ينقل الفشل من مجال الفعل إلى شماعة الخارج، ويُحوّل العجز إلى قدرٍ مفروض لا يُقاوَم. نعم، العالم لا يمنح القوة مجانًا، ونعم، هناك قوى تسعى دائمًا إلى منع غيرها من الصعود، لكن التاريخ الحديث مليء بأمثلة دول لم يُسمح لها نظريًا بشيء، ومع ذلك صنعت لنفسها موقعًا بالقليل ثم بالأكثر، حتى امتلكت قدرًا من الاستقرار، والازدهار، وأوراق التأثير. لم تنتظر تلك الدول إذنًا، ولم تُعلن التحدي الصاخب، بل اشتغلت بهدوء على التعليم، وبناء الإنسان، وتراكم المعرفة، وتطوير الاقتصاد، حتى أصبحت كلفة إضعافها أعلى من كلفة التعامل معها. الفارق الجوهري أن هذه الدول فهمت أن القوة لا تُوهب، بل تُنتَزع عبر زمنٍ طويل من العمل الذكي، وأن من يرفض البدء بحجة المنع، سيبقى ممنوعًا إلى الأبد.
خاتمة
لا أدعو هنا إلى ترك الدين، ولا إلى التشكيك في النصوص، ولا إلى نزع البعد الغيبي من وعي الإنسان، فذلك تبسيطٌ مُخلّ وتشويهٌ للمقصود. ما أدعو إليه هو أن يُفهم الدين في إطاره الصحيح بوصفه دافعًا للعمل لا بديلاً عنه، وبوصفه منظومةً أخلاقية تُحيل الإنسان إلى السنن الكونية لا إلى تعطيلها. المطلوب أن نعمل وفق قوانين الواقع التي لا تحابي أحدًا، وأن نسلك أسباب القوة والعلم والإنتاج التي طُلبت منا، وأن نتحرر في الوقت ذاته من كل ما يعوق النهوض من أوهامٍ، وخطاباتٍ مُسكِّنة، وتفسيراتٍ تُبرّر العجز بدل أن تواجهه.
وليست المشكلة في الإيمان بالمستقبل، بل في تحويل المستقبل إلى ذريعة للهروب من الحاضر. وليست الكارثة في قراءة النصوص، بل في استخدامها كوسادة نفسية للنوم وسط الحريق. إن أخطر ما يمكن أن تفعله أمة مأزومة هو أن تُقنع نفسها بأن الخلاص سيأتي دون أن تغيّر ما بنفسها.
فالتاريخ لا يرحم المنتظرين طويلًا،
والسنن لا تحابي أحدًا،
والأرض لا تُعمر بالدعاء وحده،
بل بالعقل، والعمل، والصبر الطويل.