صنعاء 19C امطار خفيفة

على نفسها جنت براقش

ويا قوم، ترى من هي براقش؟ وماذا جنت؟!

قصة حكمتها معروفة تمامًا، كمثل من يقول: جاء يكحلها فعماها.

ونقول، حتى لا تُصاب بقايا بلادٍ لنا كانت يومًا تُسمّى اليمن السعيد، وباتت اليوم فتاتًا على موائد اللئام، وهم كُثُر على مدى تاريخ هذا البلد الطيب وشعبه المكافح، في كل الحقول والزوايا، بحثًا عن عوامل البقاء حيًّا والاستقرار لأمدٍ يطول، ضمن جغرافيا لا تتطاول عليها غرابات البين من آفات الزمان.
ومن أي زوايا ومستنقعات أتوا أو قُدِموا؟ وأخطر منهم لوالب الانسحاق الكبير بسوق العمالة مع من يدفع الكثير، ويمعن تمزيقًا بجسد وطنٍ عزيز، ليعيد تشكيله وفق مقاييسه الملعونة، التي أول طرفيها بصحارى الخليج، وآخر خيوطها بتل أبيب.
وبئس من كالوا بمكيالين، وأكلوا لحم يمنٍ عزيز، بعدما اصطفوا قومًا يرقصون مع من يملأ الجيوب ذهبًا، ويصطفون زعامات لا تمانع أن يُمزَّق شذرًا مذرًا أجزاء وطنٍ عزيز، أبعد العد من شمالٍ وجنوب، لكنهم يرومون وصلًا بما هو أبعد من ذلك بكثير.
هم عتاولة دهر، وللغير مجرد مقاولين يتطاولون، وهم حجمًا وتاريخًا وثقافةً أقصر من أنف البعير. ما قاسهم الزمان بتاتًا بتاريخ اليمن السعيد. ولذا، ها نحن نقول مرة أخرى: قد جنت على نفسها براقش، سواء كانت براقش شرعية البلاد وهي بوضعها المنهك، أو بمن أتى عونًا لها وعونًا لبلادنا المهددة بالانقسام والانشطار، جراء عبث البعض ممن حاولوا إما القفز على حقائق التاريخ، أو اللعب بجغرافية البلاد.
نقول إن رحلة الآتي عبر الحوار—والحوار الجاد حقًا—هو السبيل الأوحد، كي لا نقول مرة أخرى: جنت على نفسها براقش. فآخر جناية لبراقش كانت خرابًا ودمارًا، وما يزال البلد جنوبًا وشمالًا يدفع الثمن؛ سواء ثمن من عمل عمدًا على الانقلاب على مفهوم الوطن والدولة عودةً لحكم السلالة، أو عبر مشروع نفي تاريخ بلدٍ وشعبٍ لنتوه بصحارى جنوبٍ عربي ليس له وجود.
وهنا نصل إلى المراد قوله، كي لا نكرر القول: جنت على نفسها براقش.
حتى لا يحصل ذلك، لا أمل ولا مستقبل مشرق لوطنٍ مستقر ما لم يُبنَ على أسس صحيحة للحوار الوطني الجنوبي أولًا، على طريق حوار وطني شامل يسعى لضمان وتحقيق ما يلي من عناوين لأزمة أساسها السليم:
انتهاء عهد السلطة المركزية إلى واقع يقرره حوار متكافئ، يتأسس على قواعد تتضمن ما يلي:
أولًا: لا بديل عن الحوار، أولًا وأخيرًا، ولا بديل سواه دونما تعنت أو ابتزاز.
ثانيًا: على طريق الحوار، يتطلب الأمر ضرورة العمل على مد الجسور والتفاهمات لإعادة خلق الثقة المتبادلة بين أطياف كافة المكونات الوطنية على المستوى الوطني؛ فما حدث من خدوش وشروخ في البنية الوطنية ليس هيّنًا.
ثالثًا: الحفاظ على صيانة سيادة البلد دون أي محاولات أو مسميات تمس أو تنتقص من وحدة السيادة على كامل الأرض اليمنية.
رابعًا: أهمية وضرورة التوافق الوطني لخلق مناخات تدفع نحو مستقبل مشترك مزدهر لجميع أبناء الوطن اليمني.
خامسًا: التوافق لخلق مناخات تؤدي وتضمن الوصول إلى حوكمة اقتصادية تعيد تشكيل بنية اقتصادية مالية ضمن رؤية تكاملية، عبر سوق وطنية موحدة.
سادسًا: أهمية وضرورة الوصول والتوافق بشأن السياسات الحكومية وأساليب ونظم العمل بكافة القطاعات الخدمية والإنتاجية.
سابعًا: ضمانة استقلال السلطة القضائية، وتعزيز مكانة وسلطة أجهزة الرقابة والمحاسبة، وتعزيز مكانة وسلطة البنك المركزي بما يضمن قيامه بمهامه النقدية والمالية.
ثامنًا: وحدة مؤسسات الدفاع والأمن بعيدًا عن أي تشظٍّ، كان مسماه أو شكله.
أخيرًا، تتطلب وقائع الوضع الدامي السائد—الذي شكّل عنوانًا للمراحل السابقة كلها—ألا بديل عن الحوار أولًا، والحوار دومًا، ولا مكان لسيادة عناصر القوة وقوى الأمر الواقع سبيلاً للخروج مما يعانيه وطننا طيلة الحقب الزمنية السابقة.
رحلة الوطن الآتية تضمنها آليات ووسائل:
النظام والقانون ونفاذه أولًا.
الوطن للجميع.
الثروة ملك الشعب.
الوظيفة العامة بكافة مواقعها متاحة للجميع، اعتمادًا على المواطنة المتساوية أولًا، ثم عناصر الخبرة والكفاءة والمؤهلات، بعيدًا عن القرابات والمحاصصات والمجاملات.
ضرورة تفعيل سياسات الحساب والعقاب وفق القانون.
الخروج من عباءات الولاءات الضيقة إلى رحاب الانتماء الوطني، والاحتماء بمظلة العدل والقانون، والوطن وطنًا للجميع.
نأمل ذلك، حتى لا نقول مرة أخرى: على نفسها جنت براقش، وذلك ما نرجوه ونأمله.

الكلمات الدلالية