صنعاء 19C امطار خفيفة

ليلة في حب المحروسة والسعيدة

شارك لفيف من المصريين والعرب المقيمين في القاهرة، في التعبير عن حبهم للمحروسة التي يعلقون عليها كمعظم العرب مداواة أوجاعهم، وما أكثرها. كانت ذكريات الحقبة الناصرية المجيدة حاضرة، التي لم تتأسس بالمال، ولكن بمشروعها النهضوي العربي الوحدوي المستقل عن تأثير وهيمنة دول الاستعمار الغربي والصراع مع العدو الإسرائيلي حتى تسليمه بحقوق الفلسطينيين. الذاكرة العربية لم تنسَ أن مصر بإمكاناتها المتواضعة في عهد عبدالناصر، تحولت إلى لاعب دولي، برغم أنها لم تكن دولة ثرية، وكانت ميزانيتها السنوية مليارًا وخمسين مليون جنيه مصري، أي ما يساوي ثلاثة مليارات دولار اليوم.

كانت المناسبة قاصرة على المحروسة وحدها احتفاءً بصدور كتاب "الرسائل المصرية - 24 كاتبًا عربيًا يروون أدوار المحروسة في تأهيل عرب القرن العشرين"، للأستاذين فيصل جلول وسامي كُليب، لكنها تحولت إلى أمسية في حب المحروسة والسعيدة إقرارًا بقوة الروابط المصرية -اليمنية التاريخية، ولثقل الوجود اليمني فيها.
تمت المناسبة مساء 26 يناير الجاري، وحضرها المؤلفان ولفيف من المساهمين في الكتاب، وفي مقدمتهم الرئيس علي ناصر محمد. تحدث المؤلفان عن كتابهما الذي سبقه كتب مماثلة لهما عن المغرب العربي والخليج، وأوضحا أن هدفهما هو جمع شمل الأمة التي تعاني من الضعف، ويجهل بعضها البعض الآخر، وضربا مثلًا بالفجوة التي لاتزال كائنة بين جناحي الأمة: المشرق العربي والمغرب العربي (قُسّم الشرق الأوسط إلى قسمين بعد الضعف العربي الذي استجد بعد احتلال العراق عام 2003، وخروجه من معادلة الصراع العربي الصهيوني، وبعد أن كان يسمى بتسميته الاستعمارية، الشرق الأوسط التي تعود إلى عام 1912، سلخ منه المغرب العربي، وأصبح يسمى بالشرق الأوسط وشمال إفريقيا. قبلنا ذلك بدون اعتراض بعد أن كنا نسمي المنطقتين جناحي الأمة، لأن من رسم خرائطنا يسمح لنفسه لأنه الأقوى بتسميتنا وإعادة تسميتنا وفق مصالحه الجيوسياسية التي لا تنفصل عن مصالح العدو الصهيوني).
تحدث بعض المساهمين في الكتاب، وتنازل أ. لطفي فؤاد نعمان عن وقته للرئيس علي ناصر محمد كمتحدث باسم اليمن. الرئيس ناصر تحدث عن دور مصر في دعم ثورتي اليمن عسكريًا، وإسهامها في بناء أسس حديثة لدولة لم تتغير أحوالها في شمال اليمن حتى قيام ثورة سبتمبر 1962، وألقى الضوء على حقيقة بالغة الأهمية، وهي أن مصر عندما تنهض ينهض العرب. عبر الرئيس أيضًا عن ترحيبه بالحوار الجنوبي -الجنوبي في الرياض، ولكن في إطار الوحدة اليمنية. وهنا أضيف أن نهضة مصر مصلحة عربية صافية، ولا تخصم من دور أحد.
للأستاذ لطفي نعمان مساهمة جد قيمة، بذل فيها جهدًا كبيرًا، تمحورت حول رد الفعل اليمني على الحملة الفرنسية على مصر عام 1798، وقلق اليمنيين على مصر في نص كتبه لطف الله بن أحمد جحاف، وحققه الراحل أ.د. سيد مصطفى سالم، الذي وضع جحاف ضمن كبار مؤرخي العواصم العربية، لما ذكره من حوادث جنوب الجزيرة، ونوه بتفوقه على الجبرتي.
كتب جحاف عن الحملة أن "هذه نازلة قد نزلت بالإسلام والمسلمين، وفادحة قد عمت المؤمنين أجمعين، لأنها في الدين، ومن بعُدت عنه ديارها، فقد أحرقت قلبه وقالبه نيارها". ومثله كتب العلامة محمد بن علي الشوكاني، أستاذ لطف جحاف، "عن استيلاء طائفة من الفرنجة، يقال لهم الفرنسيس، على الديار المصرية جميعها، ووصولهم إلى القاهرة، وحكمهم على من بتلك الديار من المسلمين، وذلك خطب لم يُصب الإسلام بمثله. ووصف الشوكاني الحملة بـ"الرزية العظمى، والمصيبة الكبرى التي تبكي لها عيون الإسلام والمسلمين".
كانت المناسبة تذكيرًا بما نحن عليه من شتات مكن العدو الصهيوني من تحقيق الكثير من أهدافه في فلسطين المحتلة وغيرها، وصيحة للأمة أن تستيقظ لتصحيح اختلالات بعضها من صنعها، والكثير من صنع العدوين الأمريكي والإسرائيلي، قبل أن تحقق إسرائيل مشروعها الاستراتيجي التدميري من الفرات إلى النيل.

الكلمات الدلالية